قاسمي نت
السلام عليكم و رحمة الله .... مرحبا بمن زارنا و هل علينا بطلته البهية ..... تشرفنا زيارتك الطيبة و مرحبا بك بيننا و حتى إن لم تكن مسجلا معنا فأهلا بك .... و لو أعجبك منتدانا فيكون لنا الشرف بإنظمامك إلينا و لأسرتنا الصغيرة .... كما نتمنى أن نفيدك و نستفيد منك و هذه الرسالة تفيد كونك جديدا معنا فمرحبا بك و بتسجيلك يا طيب ..... تحيات منتدانا و إدارته العامة....
قاسمي نت

قاسمي نت


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخولفي خدمتك
.:: الإعلانات والتبادل الإعلاني مع منتديات قاسمي نت ::.

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» رسم لحداء الكات CAT
2014-08-29, 11:22 من طرف المدير

» حداء رياضي نيك NIKE
2014-08-29, 11:21 من طرف المدير

» رسم حداء رياضي إير ماكس nike air
2014-08-29, 11:18 من طرف المدير

» رسم لحداء أديداس متميز
2014-08-29, 11:18 من طرف المدير

» رسم حداء ماركة اديداس adidas
2014-08-29, 11:18 من طرف المدير

» رسم لحداء رياضي نيك دو لون نسائي
2014-08-29, 11:18 من طرف المدير

» الحداء الرياضي نيك nike
2014-08-29, 11:18 من طرف المدير

» حداء رياضي نيك nike
2014-08-29, 11:11 من طرف المدير

» حداء رياضي ماركة nike
2014-08-29, 11:10 من طرف المدير

التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
منتدى
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
المدير
 
بوح الليل
 
ضربة حظ
 
الرمثا يا حياتي
 
ميساء
 
nasim
 
الغيواني
 
وهج البرق
 
zri9a
 
hicham
 
Check PageRank
تعريفك
IP
أفضل 10 فاتحي مواضيع في المنتدى
المدير
 
بوح الليل
 
الرمثا يا حياتي
 
ضربة حظ
 
nasim
 
hicham
 
zri9a
 
dr_html
 
ni3ma
 
dodo
 
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر
شاطر | 
 

 كتاب : الآداب الشرعية -- المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -- ج 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4
كاتب الموضوعرسالة
بوح الليل




السباحة

عامل

مكيف

ذكر
العقرب

الثور
عدد المساهمات: 513
نقاط: 10392
السٌّمعَة: 5
تاريخ الميلاد: 17/11/1985
تاريخ التسجيل: 22/09/2009
العمر: 28
الموقع: قاسمي نت
العمل/الترفيه: مستخدم

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الآداب الشرعية -- المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -- ج 1   2011-04-19, 07:43

قَالَ حَنْبَلِيٌّ جَيِّدُ الْفَهْمِ : هَذَا بَاطِلٌ بِآلَةِ اللَّهْوِ ، فَإِنَّ
فِيهَا أَخْشَابًا وَوَتَرًا ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا بِمَا فِيهَا مِنْ
التَّأْلِيفِ الَّذِي أَسْقَطَ حُكْمَ مَالِيَّةِ الْآلَةِ حَتَّى لَوْ أُحْرِقَتْ
لَمْ يُضْمَنْ فَهَلَّا أَسْقَطْت حُكْمَ مَالِيَّةِ الْوَرَقِ كَمَا أَسْقَطْتَ
حُكْمَ مَالِيَّةِ الْخَشَبِ ؟ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَيَصِحُّ أَنْ
يَشْتَرِي كُتُبَ الزَّنْدَقَةِ ، وَنَحْوِهَا لِيُتْلِفَهَا فَقَطْ .

(
فَصْلٌ ) : قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ : يَخْطُرُ بِقُلُوبِ الْعُلَمَاءِ
نَوْعُ يَقَظَةٍ ، فَإِذَا نَطَقُوا بِهَا وَبِحُكْمِهَا نَفَرَتْ مِنْهَا قُلُوبُ
غَيْرِهِمْ ، وَلَوْ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا أَقُولُ الْعَوَامُّ ، وَمَثَّلَ
بِأَشْيَاءَ مِنْهَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ كُشِفَ
الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْت يَقِينًا .
وَأَنَّ رَجُلًا لَوْ صَحَا ، فَقَالَ
كَلِمَةً ظَاهِرُهَا يُوجِبُ عِنْدَ الْعَوَامّ الْكُفْرَ فَقَالَ : لَسْتُ أَجِدُ
لِلرَّقِيبِ ، وَالْعَتِيدِ حِشْمَةً وَلَا هَيْبَةً حَتَّى لَوْ اُسْتُفْتِيَ
عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَقَالُوا كَافِرٌ ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ
لَيْسَ مُصَدِّقًا بِهِمَا ، وَهُوَ يُهَوِّنُ بِحَفَظَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى
خَلْقِهِ وَمَلَائِكَتِهِ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ ، فَكَشَفَ عَنْ
سِرِّ وَاقِعِهِ لَاسْتَحْيَا مِنْ جَهْلِهِ ، أَوْ كُفْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ
فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ ، وَكَشْفُ السِّرِّ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : غَلَبَتْ
عَلَيَّ هَيْبَةُ رَبِّي وَحِشْمَةُ مَنْ يَشْهَدُنِي فَسَقَطَ مِنْ عَيْنَيَّ
حِشْمَةُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيَّ ، وَكُنْت أَجِدُ الْحِشْمَةَ لَهُمَا الْغَفْلَةُ
عَقِبَهَا صَحْوٌ ، وَمُوجِبُ الْيَقَظَةِ وَالصَّحْوِ وَزَوَالِ الْغَفْلَةِ
وَالسَّهْوِ السَّمْعُ { أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكِ } { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ
مِنْكُمْ } وَالْعَقْلُ ، فَإِنَّ مَنْ شَهِدَ الْحَقَّ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ
الْمَلِكَ ، وَمَعَهُ أَصْحَابُ أَخْبَارِهِ فَلَا يَبْقَى لِأَصْحَابِهِ حُكْمٌ
فِي قَلْبِ مَنْ شَهِدَ الْمَلِكَ ، وَإِلَّا لَكَانَ وَهْنًا فِي مَعْرِفَتِهِ
بِحُكْمِ الْمَلِك وَسُلْطَانِهِ .
فَاحْذَرْ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الطَّعْنِ
عَلَى الْعُلَمَاءِ مَعَ عَدَمِ بُلُوغِك إلَى مَقَامَاتِهِمْ ، وَاخْتِلَافِ
أَحْوَالِهِمْ حَتَّى أَنَّهُمْ فِي حَالٍ كَشَخْصٍ ، وَفِي حَالٍ آخَرَ كَشَخْصٍ
آخَرَ ، فَإِنَّ لِلْعَبْدِ عِنْدَ كَشْفِ الْحَقِّ مَحْوًا عَنْ نَفْسِهِ ،
وَالْعَالَمُ يَتَلَاشَى فِي عَيْنِهِ ، وَلِهَذَا قَالَتْ الْمُتَصَوِّفَةُ
لِلصِّغَارِ : يُسَلَّمُ لِلْمَشَايِخِ الْكِبَارِ حَالُهُمْ ، وَكَلَامُهُمْ سُمٌّ
قَاتِلٌ لَهُمْ أَوَّلَا ، ثُمَّ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ مَا

تَحْتَ
كَلَامِهِمْ ، وَالْقَاتِلُ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا ، وَالْمَقْتُولُ شَهِيدًا ،
أَمَّا الْمُنْكِرُ فَإِنَّهُ جَارٍ عَلَى الظَّاهِرِ .
وَأَمَّا الْقَائِلُ
فَقَالَ بِحُكْمِ حَالٍ كُشِفَتْ لَهُ خَاصَّةً وَحُجِبَ عَنْهَا السَّامِعُ ،
وَمِنْ هُنَا " كَلِّمُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ " .
فَمَنْ عَلِمَ
أَنَّ الْخَلْقَ لَا يَسْتَوُونَ فِي الْمَقَالِ ، وَلَا فِي الْأَحْوَال لَا
يَعْقِدُ الظُّنُونَ بِبَادِرَةِ الْوَاقِعِ ، فَيَقَعُ نَاقِصًا .

فَصْلٌ (
الْإِنْكَارُ عَلَى النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ كَشْفَ وُجُوهِهِنَّ ) .
هَلْ
يَسُوغُ الْإِنْكَارُ عَلَى النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ إذَا كَشَفْنَ وُجُوهَهُنَّ
فِي الطَّرِيقِ ؟ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ
وَجْهِهَا ، أَوْ يَجِبُ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا ، أَوْ فِي الْمَسْأَلَةِ
قَوْلَانِ ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ { فَأَمَرَنِي
أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي } .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ
اللَّهُ تَعَالَى : وَفِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى
الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا فِي طَرِيقِهَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ
مُسْتَحَبَّةٌ لَهَا ، وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا فِي
جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ .
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ
مُحْيِي الدِّينِ النَّوَاوِيُّ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي
عَقِيبَ إنْكَارِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْأَمَةِ التَّسَتُّرَ :
وَقَوْلُهُ : إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ قَالَ : وَلَوْ كَانَ نَظَرُ ذَلِكَ
مُحَرَّمًا لَمَا مَنَعَ مِنْ سَتْرِهِ ، بَلْ أَمَرَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ احْتَجَّ
هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَمَلَكَ مَا
يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ :
وَكَشْفُ النِّسَاءِ وُجُوهَهُنَّ بِحَيْثُ يَرَاهُنَّ الْأَجَانِبُ غَيْرُ جَائِزٍ
، وَلِمَنْ اخْتَارَ هَذَا أَنْ يَقُولَ : حَدِيثُ جَرِيرٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛
لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ وُقُوعُهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُهُ ، فَعَلَى
هَذَا هَلْ يَشْرَعُ الْإِنْكَارُ ؟ يَنْبَنِي عَلَى الْإِنْكَارِ فِي مَسَائِلِ
الْخِلَافِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ .
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا
وَقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّظَرَ إلَى
الْأَجْنَبِيَّةِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا خَلْوَةٍ ، فَلَا يَنْبَغِي
أَنْ يَسُوغَ الْإِنْكَارُ .

فِي الْإِنْكَارِ بِدَاعِي الرِّيبَةِ وَظَنِّ
الْمُنْكَرِ وَالتَّجَسُّسِ لِذَلِكَ ) .
نَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ رَأْيَ إنَاءً
يَرَى أَنَّ فِيهِ مُسْكِرًا أَنَّهُ يَدَعُهُ يَعْنِي لَا يُفَتِّشُهُ ، تَرْجَمَ
عَلَيْهِ الْخَلَّالُ ( مَا يُكْرَهُ أَنْ يُفَتَّشَ إذَا اسْتَرَابَ بِهِ )
وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ
إذَا ظُنَّ وُقُوعُهُ ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ ، وَاخْتَارَ
ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا نِيحَ
عَلَيْهِ يُعَذَّبُ إذَا لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِهِ
النَّوْحُ ، وَهَذَا مَعْنَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ فَخْرِ الدِّينِ فِي
التَّلْخِيصِ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَهُوَ
أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِعْلُهُمْ لَهُ
وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ فَصَارَ كَتَارِكِ
النَّهْيِ عَلَى الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَقَدْ جَعَلَ ظَنَّ وُقُوعِ
الْمُنْكَرِ بِمَنْزِلَةِ الْمُنْكَرِ الْمَوْجُودِ فِي وُجُوبِ الْإِنْكَارِ ،
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْحَالِ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ .
وَذَكَرَ
الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ : إنْ غَلَبَ عَلَى
الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِالْمَعْصِيَةِ لِأَمَارَةٍ دَلَّتْ ، وَآثَارِ
ظَهَرَتْ ، فَإِنْ كَانَ فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا ، مِثْلُ
أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ
أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا جَازَ أَنْ يَتَجَسَّسَ ، وَيُقْدِمُ عَلَى
الْبَحْثِ وَالْكَشْفِ هَذَا فِي الْمُحْتَسِبِ وَهَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ
قَوْمٌ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ ،
وَالْإِنْكَارِ كَاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ
وَشُهُودِهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
هُجُومَهُمْ ، وَإِنْ حَدَّهُمْ لِلْقَذْفِ عِنْدَ قُصُورِ الشَّهَادَةِ
.
وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فِي الرِّيبَةِ لَمْ يَجُزْ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ
، وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عَنْهُ ، وَكَذَا ذَكَرَ

الْمَاوَرْدِيُّ فِي
الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي مَوْضِعٍ
جَوَازُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَعَمَلًا
بِالظَّنِّ ، وَهُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ
: نَصُّ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي ظَنِّ وُقُوعِ مُنْكَرٍ مَسْتُورٍ ،
وَنَصُّهُ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ فِي ظَنِّ وُقُوعِ مُنْكَرٍ ظَاهِرٍ ، فَيُنْكِرُ
الظَّاهِرَ لَا الْمَسْتُورَ .
وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ
يَفُوت اسْتِدْرَاكُهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُنْكَرَ الْمَسْتُورَ إذَا زَالَ
لَا تَجُوزُ الْمُجَاوَزَةُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَالْمَكَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ
لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ زَوَالُ الْمُنْكَرِ ، وَقَدْ قَالَ
الْمَرُّوذِيُّ : قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ الصُّوفِيِّ
قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى سُفْيَانَ بِالْبَصْرَةِ فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ
اللَّهِ إنِّي أَكُونُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَسِبَةِ ، فَنَدْخُلُ عَلَى
هَؤُلَاءِ ، وَنَتَسَلَّقُ عَلَى الْحِيطَانِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ لَهُمْ
أَبْوَابٌ ؟ قُلْتُ : بَلَى وَلَكِنْ نَدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَفِرُّوا ،
فَأَنْكَرَهُ إنْكَارًا شَدِيدًا وَعَابَ فِعْلَنَا ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ
أَدْخَلَ ذَا ؟ قُلْتُ : إنَّمَا دَخَلْتُ إلَى الطَّبِيبِ لِأُخْبِرَهُ بِدَائِي ،
فَانْتَفَضَ سُفْيَانُ .
وَقَالَ : إنَّمَا أَهْلَكَنَا أَنَّا نَحْنُ سُقْمَى ،
وَنُسَمَّى أَطِبَّاءً ، ثُمَّ قَالَ : لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى
عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ كُنَّ فِيهِ خِصَالُ ثَلَاثُ : رَفِيقٌ بِمَا يَأْمُرُ
، رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ ، عَدْلٌ بِمَا يَنْهَى ، عَالِمٌ
بِمَا يَأْمُرُ ، عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى .
فَإِقْرَارُ أَحْمَدَ هَذَا وَلَمْ
يُخَالِفْهُ دَلَّ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَزُلْ الْمُنْكَرُ
إلَّا بِذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ الْمَسْتُورِ
.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ
عَمِيَ فَبَعَثَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أُحِبُّ
أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي فَأَتَّخِذَهُ

مُصَلًّى ،
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ قَوْمُهُ ،
وَتَغَيَّبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ ، وَهُوَ
بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ
، وَبَعْدَهَا مِيمٌ ، وَقِيلَ : بِزِيَادَةِ يَاءٍ بَعْدَ الْخَاءِ عَلَى
التَّصْغِيرِ .
وَوَرَدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي أَوَّلِهِ وَبِدُونِهِمَا
وَرُوِيَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمِيمِ مُكَبَّرًا
وَمُصَغَّرًا وَيُقَالُ أَيْضًا الدِّخْشِنُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالشِّينِ وَفِي
الْخَبَرِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِهِ
وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا
عَلَيْهِ ، فَهَلَكَ وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْءٌ ، فَقَضَى عَلَيْهِ
السَّلَامُ وَقَالَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي
رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالُوا : إنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ :
قَالَ إنَّهُ لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي
رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ أَوْ تَطْعَمُهُ } .
وَفِي الْبُخَارِيِّ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا تَرَاهُ
قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ }
.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا
وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَشَاهِدِ قَالَ : وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ النِّفَاقُ
.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ
عَلَى دَارِ غَيْرِهِ لِيَسْمَعَ صَوْتَ الْأَوْتَارِ ، وَلَا يَتَعَرَّضُ
لِلشَّمِّ لِيُدْرِكَ رَائِحَةَ الْخَمْرِ ، وَلَا يَمَسُّ مَا قَدْ سُتِرَ
بِثَوْبٍ لِيَعْرِفَ شَكْلَ الْمِزْمَارِ ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْبِرَ جِيرَانَهُ
لِيُخْبَرَ بِمَا جَرَى ، بَلْ لَوْ أَخَبَرَهُ عَدْلَانِ ابْتِدَاءً أَنَّ
فُلَانًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَلَهُ إذْ ذَاكَ أَنْ يَدْخُلَ ، وَيُنْكِرَ انْتَهَى
كَلَامُهُ .
وَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ : أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ
لَهُ : هَذَا فُلَانٌ يَعْنِي الْوَلِيدَ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا ، فَقَالَ :
عَبْدُ

اللَّهِ إنَّا قَدْ انْتَهَيْنَا عَنْ التَّجَسُّسِ ، وَلَكِنْ إنْ
يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ
بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدٍ
فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ يَعْنِي الْوَلِيدَ .
وَالْأَعْمَشُ مُدَلِّسٌ
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمُدَلِّسَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ
بِالسَّمَاعِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ حَمْلًا عَلَى
السَّمَاعِ ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ ، غَايَتُهُ ظَنُّ صَحَابِيٍّ وَاعْتِقَادُهُ
أَنَّ هَذَا مِنْ التَّجَسُّسِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ
فَقِيلَ لَهُ : هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا ، يُحْتَمَلُ أَنْ
يَكُونَ مُرَادُهُ الْآنَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ شَأْنِهِ وَعَادَتِهِ
، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ التَّجَسُّسِ وَرَوَى فِيهِ
بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ
مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : { إنَّك إنْ اتَّبَعْتَ
عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْت أَنْ تُفْسِدَهُمْ } فَقَالَ أَبُو
الدَّرْدَاءِ كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا ضَمْضَمُ
بْنُ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَكَثِيرِ
بْنِ مُرَّةَ وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمِقْدَادِ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ
وَأَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ
الْأَمِيرَ إذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ } ضَمْضَمٌ
حِمْصِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ .
وَرَوَى فِي بَابِ الْغِيبَةِ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَا مَعْشَرَ مَنْ

آمَنَ
بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ
، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ
يَتَّبِعْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ } سَعِيدٌ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ ،
وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَجْهُولٌ .
وَرَوَاهُ
أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَعْنَاهُ وَفِيهِ : { لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ
وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ } ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى مَا
تَقَدَّمَ وَلِأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ { لَا تُؤْذُوا
عِبَادَ اللَّهِ } وَسَاقَهُ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ .

فَصْلٌ (
الْإِنْكَارُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي مَوْقِفِ الرِّيبَةِ كَخَلْوَةٍ
وَنَحْوِهَا ) .
فَإِنْ رَأْي رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ فَهَلْ يَسُوغُ
الْإِنْكَارُ ؟ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْوَاقِفِ ،
أَوْ قَرِينَةُ زَمَانٍ ، أَوْ مَكَان ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ سَاغَ الْإِنْكَارُ ،
وَإِلَّا فَلَا ، وَعَلَى هَذَا كَلَامُ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وَالْقَاضِي قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ :
الرَّجُلُ السُّوءُ يُرَى مَعَ الْمَرْأَةِ قَالَ : صِحْ بِهِ .
وَقَالَ أَيْضًا
لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْغُلَامُ يَرْكَبُ خَلْفَ الْمَرْأَةِ ، قَالَ :
يُنْهَى ، وَيُقَالُ لَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ : إنَّهَا لَهُ مَحْرَمٌ تَرْجَمَ
عَلَيْهِمَا الْخَلَّالُ ( بَابُ الرَّجُلِ يَرَى الْمَرْأَةَ مَعَ الرَّجُلِ
السُّوءِ وَيَرَاهَا مَعَهُ رَاكِبَةً ) وَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَبَا
دَاوُد قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ لَهُ : امْرَأَةٌ
أَرَادَتْ أَنْ تَسْقُطَ عَنْ الدَّابَّةِ يُمْسِكُهَا الرَّجُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ
.
قَالَ الْقَاضِي : فَصْلٌ : وَمَنْ عُرِفَ بِالْفِسْقِ مُنِعَ مِنْ
الْخَلْوَةِ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الرِّيبَةِ ،
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَخْلُوَنَّ
رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا } ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ
مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى الثَّانِيَةَ انْتَهَى كَلَامُهُ .
قَالَ الْقَاضِي :
فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُحْتَسِبِ ، وَإِذَا
رَأَى وُقُوفَ رَجُلٍ مَعَ امْرَأَةٍ فِي طَرِيقٍ سَالِكٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا
أَمَارَاتُ الرَّيْبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِمَا بِزَجْرٍ وَلَا إنْكَارٍ ،
وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ فِي طَرِيقٍ خَالٍ فَخَلَوْا بِمَكَانِ رِيبَةٍ
فَيُنْكِرُهَا ، وَلَا يُعَجِّلْ فِي التَّأْدِيبِ عَلَيْهِمَا حَذَرًا مِنْ أَنْ
تَكُونَ ذَاتَ مَحْرَمٍ وَلِيَقُلْ : إنْ كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ فَصُنْهَا عَنْ
مَوْقِفِ الرَّيْبِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَاحْذَرْ مِنْ خَلْوَةٍ
تُؤَدِّيكَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلِيَكُنْ زَجْرُهُ
بِحَسَبِ

الْأَمَارَاتِ ، وَإِذَا رَأَى الْمُحْتَسِبُ مِنْ هَذِهِ
الْأَمَارَاتِ مَا يُنْكِرُهَا تَأَنَّى وَفَحَصَ وَرَاعَى شَوَاهِدَ الْحَالِ ،
وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْإِنْكَارِ قَبْلَ الِاسْتِخْبَارِ .
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ
الْقَاضِي أَنَّهُ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ
يَخْتَلِفَ اجْتِهَادُهُ كَمَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ ، أَوْ
طَعَامَ غَيْرِهِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عُذْرٌ ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ
وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ : مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ مِنْ
أَخِيهِ الْمُسْلِمِ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ أَمْ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ
أَنْ يَأْمُرَ وَلَا يَنْهَى فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا إنْكَارَ إلَّا مَعَ
الْعِلْمِ ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ بِالظَّنِّ إذَا انْبَنَى
عَلَى أَصْلٍ ، وَمَسْأَلَةُ النِّيَاحَةِ كَهَذَا ، وَالْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ
يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ بِأَمَارَةٍ ، وَقَرِينَةٍ تُفِيدُ الظَّنَّ ، فَهَذِهِ
أَقْوَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ فِي
قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحُكْمَ
بِالظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ لِإِنْكَارِ مُوسَى ، فَأَمَّا
مُجَرَّدُ الْوَهْمِ وَالشَّكِّ فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ بِهِ عَلَى
الْإِنْكَارِ ، وَالِاقْتِحَامِ بِهِ عَلَى الدِّيَارِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ {
أَنَّهُ نَهَى الْمُسَافِرَ عَنْ قُدُومِهِ عَلَى أَهْلِهِ لَيْلًا } .
وَفِي
صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ ،
وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ وَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
.

فَصْلٌ ( فِي نَشْرِ السُّنَّةَ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ بِغَيْرِ
خُصُومَةٍ وَلَا عُنْفٍ ) .
سَأَلَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَجُلٌ فَقَالَ :
أَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ فَتُذْكَرُ فِيهِ السُّنَّةُ لَا يَعْرِفهَا غَيْرِي
أَفَأَتَكَلَّمُ بِهَا ؟ فَقَالَ : أَخْبِرْ بِالسُّنَّةِ ، وَلَا تُخَاصِمْ
عَلَيْهَا فَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فَقَالَ : مَا أَرَاك إلَّا رَجُلًا
مُخَاصِمًا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَذَلِكَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَالَهُ مَالِكٌ
فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالْإِخْبَارِ بِالسُّنَّةِ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْك
فَاسْكُتْ .
وَسَبَقَ فِي فُصُولِ الْكَذِبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِرَاءِ
وَالْجِدَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَفِي مَسَائِلِ صَالِحِ بْنِ الْإِمَامِ
أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : وَسَأَلْته عَنْ رَجُلٍ يُبْلَى بِأَرْضٍ
يُنْكِرُونَ فِيهَا رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَنْسُبُونَهُ إلَى
الرَّفْضِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الرَّفْعِ قَالَ أَبِي :
لَا يَتْرُكُ ، وَلَكِنْ يُدَارِيهِمْ .
وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ
بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : مَا أَغْضَبْتَ رَجُلًا قَطُّ فَسَمِعَ
مِنْك .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ
وَزَانَهُ ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ .
وَقَالَ
فِي الْغُنْيَةِ ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ
بِالْعَلَانِيَةِ فَقَدْ شَانَهُ ، وَمَنْ وَعَظَهُ سِرًّا فَقَدْ زَانَهُ
.
وَلَعَلَّهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَ الْخَلَّالُ : رُوِيَ عَنْهَا
أَنَّهَا قَالَتْ : مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ زَانَهُ ، وَمَنْ وَعَظَهُ
عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ تَأْخِيرُ عُثْمَانَ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ ، وَجَاءَ وَعُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : أَيَّةُ سَاعَةٍ
هَذِهِ ؟ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَهُ تَوْبِيخًا وَإِنْكَارًا لِتَوْبِيخِهِ
لَا لِتَأْخِيرِهِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ ، فَفِيهِ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ
رَعِيَّتَهُ ، وَأَمْرُهُمْ بِصَلَاحِ دِينِهِمْ ، وَالْإِنْكَارُ عَلَى مُخَالِفِ
السُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الْقَدْرِ .
وَفِيهِ جَوَازُ الْإِنْكَارِ
عَلَى الْكِبَارِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ ، وَفِي قَوْلِ عُثْمَانَ

شُغِلْتُ
الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَلَمْ
أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ فِيهِ الِاعْتِذَارُ إلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ
وَغَيْرِهِمْ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ : فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ
يَنْفَعْهُ أَظْهَرَ حِينَئِذٍ ذَلِكَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ ،
وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ فَبِأَصْحَابِ السُّلْطَانِ ، وَتَقَدَّمَ فِي حِفْظِ
اللِّسَانِ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ { كَفَى بِك إثْمًا أَنْ لَا تَزَال مُخَاصِمًا }
.

فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ مَدَاخِلِ السُّوءِ قَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ : أَكْرَهُ الْمَدْخَلَ السُّوءَ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ : أَكْرَهُ
أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحَةٍ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ ؟
تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْخَلَّالُ ( مَا يُكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى صَيْحَةٍ
بِاللَّيْلِ ) وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ :
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ : أَكْرَهُ مُمَاشَاةَ
الْمُرِيبِ كَرَاهَةَ أَنْ أَعِيبَ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ
الْبَرِّ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَ الْخِيَارُ
بِيَدِهِ ، وَمَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ
الظَّنَّ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلِ فِي الْفُنُونِ : قَالَ الْحَسَنُ مَنْ
دَخَلَ مَدَاخِلَ التُّهَمَةِ لَمْ يَكُنْ أَجْرُ لِلْغِيبَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ
.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ مَا لَا يَنْبَغِي
فِعْلُهُ سَقَطَ حَقُّهُ وَحَرَّمْتُهُ ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا : تَسْقُطُ
حُرْمَةُ الدَّاعِي إلَى وَلِيمَةٍ بِفِعْلِهِ مَا لَا يَنْبَغِي ، وَحُرْمَةُ مَنْ
سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ ، لَا يَنْبَغِي وَحُرْمَةُ مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ يَمُرُّ
فِيهِ النَّاس ، فَلَا يَرُدُّ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ،
وَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْغِيبَةِ فِي لِبَاسِ الشُّهْرَة .

فَصْلٌ ( فِي
حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ) .
ومما لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ
أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ ، وَيَغْفِرَ زَلَّتَهُ ، وَيَرْحَمَ عَبْرَتَهُ ،
وَيُقِيلَ عَثْرَتَهُ ، وَيَقْبَلَ مَعْذِرَتَهُ ، وَيَرُدَّ غِيبَتَهُ ، وَيُدِيمَ
نَصِيحَتَهُ ، وَيَحْفَظَ خِلَّتَهُ ، وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ ، وَيُجِيبَ دَعْوَتَهُ
، وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ ، وَيُكَافِئَ صِلَتَهُ ، وَيَشْكُرَ نِعْمَتَهُ ،
وَيُحْسِنَ نُصْرَتَهُ ، وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ ، وَيَشْفَعَ مَسْأَلَتَهُ ،
وَيُشَمِّتَ عَطْسَتَهُ ، وَيَرُدَّ ضَالَّتَهُ ، وَيُوَالِيَهُ ، وَلَا
يُعَادِيَهُ ، وَيَنْصُرَهُ عَلَى ظَالِمِهِ ، وَيَكُفَّهُ عَنْ ظُلْمِهِ غَيْرِهِ
، وَلَا يُسْلِمَهُ ، وَلَا يَخْذُلَهُ ، وَيُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ،
وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ
.
قَالَ حَنْبَلٌ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : وَلَيْسَ عَلَى
الْمُسْلِمِ نُصْحُ الذِّمِّيِّ ، وَعَلَيْهِ نُصْحُ الْمُسْلِمِ .
قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَالنُّصْحُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ }
وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَقَالَ
الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَجُلٌ لِمِسْعَرٍ
: تُحِبُّ أَنْ تُنْصَحَ ؟ قَالَ : أَمَّا مِنْ نَاصِحٍ فَنَعَمْ ، وَأَمَّا مِنْ
شَامِتٍ فَلَا .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ عَنْ
مِسْعَرٍ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إلَيَّ عُيُوبِي فِي سِرٍّ بَيْنِي
وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّ النَّصِيحَةَ فِي الْمَلَأِ تَقْرِيعٌ .
وَلِأَحْمَدَ
وَمُسْلِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَرْفُوعًا : { إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ
قُلْنَا : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ
وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ } وَلَيْسَ فِي مُسْلِمٍ فِي
أَوَّلِهِ " إنَّ " وَلِأَبِي دَاوُد { إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ } وَكَرَّرَهُ
ثَلَاثًا وَذَكَرَهُ .
وَلِلنَّسَائِيِّ { وَإِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ }
وَذَكَرَهُ .
فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَدَارَ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ عَلَى هَذَا
الْخَبَرِ .
وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ
أَحَدُ

الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَجْمَعُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ
.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بوح الليل




السباحة

عامل

مكيف

ذكر
العقرب

الثور
عدد المساهمات: 513
نقاط: 10392
السٌّمعَة: 5
تاريخ الميلاد: 17/11/1985
تاريخ التسجيل: 22/09/2009
العمر: 28
الموقع: قاسمي نت
العمل/الترفيه: مستخدم

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الآداب الشرعية -- المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -- ج 1   2011-04-19, 07:44

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ قِوَامُ الدِّينِ وَعِمَادُهُ
النَّصِيحَةُ كَقَوْلِهِ { الْحَجُّ عَرَفَةَ } وَلِأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { أَحَبُّ مَا
تَعَبَّدَ لِي بِهِ عَبْدِي النُّصْحُ لِي } وَقَالَ جَرِيرٌ : { بَايَعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ } رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَالطَّاعَةِ
فَلَقَّنَنِي " فِيمَا اسْتَطَعْت " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ كَأَحْمَدَ وَزَادَ
وَعَلَى فِرَاقِ الشِّرْكِ .
قِيلَ : النَّصِيحَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصَحَ
الرَّجُلُ ثَوْبَهُ إذَا خَاطَهُ فَشَبَّهُوا فِعْلَ النَّاصِحِ فِيمَا
يَتَحَرَّاهُ مِنْ صَلَاحِ الْمَنْسُوجِ لَهُ بِمَا يَسُدُّهُ مِنْ خَلَلِ
الثَّوْبِ ، وَقِيلَ : مِنْ نَصَحْت الْعَسَلَ إذَا صَفَّيْته مِنْ الشَّمْع ،
شَبَّهُوا تَخْلِيصَ الْقَوْلِ مِنْ الْغِشِّ بِتَخْلِيصِ الْعَسَلِ مِنْ الْخَلْطِ
.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وُجُوبُ النُّصْحِ لِلْمُسْلِمِ ،
وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِخْبَارِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ
مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا { مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ
ثُمَّ لَا يَجْتَهِدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إلَّا لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ مَعَهُمْ }
فَقَدْ يُقَالُ : ظَاهِرُهُ أَنَّ وُجُوبَ النُّصْحِ يَتَوَقَّفُ عَلَى السُّؤَالِ
، وَقَدْ يُقَالُ : لَا بَلْ خَصَّ الْأَمِيرَ هَذَا لِأَنَّهُ أَخَصُّ .
لَكِنْ
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا { حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى
الْمُسْلِمِ سِتٌّ وَفِيهِ فَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ } وَهَذَا أَوْلَى
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ عَلَى مُحَرَّمٍ وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ قَوْلِهِ
بِخِلَافِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ
ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : التَّاجِرُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَجُلٌ
مُفْلِسٌ وَأَنَا أَعْرِفُهُ ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَسْكُتُ أَمْ أُخْبِرُهُ ، قَالَ
لَوْ أَنَّ خَنَّاقًا صَحِبَك ، وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ وَأَنَا
أَعْرِفُهُ

أَأَسْكُتُ حَتَّى يَقْتُلَك ؟ وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ } مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ .
وَإِنْ ظَنَّ أَنْ لَا يَقْبَلَ نُصْحَهُ أَوْ خَافَ أَذًى مِنْهُ
فَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ
.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي بَابِ النَّصِيحَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ
سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي ابْنَ
بِلَالٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {
الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ
ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ } كَثِيرٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ عِنْدَ
الْأَكْثَرِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ
بْنِ بَشِيرٍ { مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ
وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ
سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى } .
وَلِمُسْلِمٍ { الْمُسْلِمُونَ
كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إذَا اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ ، وَإِذَا اشْتَكَى
رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : {
الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ } وَفِي لَفْظٍ { كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ
بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ } .
وَصَحَّ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ابْنُ مَاجَهْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ مِنْ
حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { وَإِذَا اسْتَشَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُشِرْ
عَلَيْهِ } .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { مَنْ دَلَّ
عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ } وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ لِوَلَدَيْهِ :
اُكْتُبَا مَنْ سَلَّمَ عَلَيْنَا مِمَّنْ حَجَّ فَإِذَا قَدِمَ سَلَّمْنَا
عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا

مَحْمُولٌ مِنْهُ عَلَى صِيَانَةِ
الْعِلْمِ لَا عَلَى الْكِبْرِ .
وَقَالَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ
أَصْحَابِنَا فِي النَّوَادِرِ نَقَلَ عَنْهُ وَلَدُهُ صَالِحُ أَنَّهُ قَالَ :
اُنْظُرُوا إلَى الَّذِينَ جَاءُوا مُسَلِّمِينَ عَلَيْنَا فَنَمْضِي بَعْدُ
نُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ مُضِيَّهُ إلَيْهِمْ
فِي مُقَابَلَةِ مُضِيِّهِمْ إلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَبْدَأَهُمْ
بِالْمُضِيِّ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْحِمَّانِيُّ الرَّجُلُ يَخْرُجُ إلَى
مَكَّةَ لَا يَجِيءُ يُسَلِّمُ عَلَيَّ أَمْضِي أُسَلِّمُ عَلَيْهِ قَالَ : لَا
إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا عِلْمٍ أَوْ هَاشِمِيًّا أَوْ إنْسَانًا يُخَافُ شَرُّهُ
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ : قُلْ لِأَبِي
عَبْدِ اللَّهِ رِقَّ عَلَى هَذَا الْخَلْقِ وَاجْعَلْهُمْ فِي حِلٍّ فَقَدْ
وَجَبَتْ نُصْرَتُك فَقُلْتُ : لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَجَعَلَ يَقُولُ : هَذَا
رَجُلٌ صَالِحٌ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ ، مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَمْ
يَسْتَحِلَّنِي أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ غَيْرُهُ .
وَفِي مَسَائِلِ هَذَا
الْفَصْلِ أَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي ( بَابِ مَنْ رَدَّ
عَنْ مُسْلِمٍ غِيبَةً ) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ
الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْجَرِيرِيُّ عَنْ
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيِّ حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ قَالَ : { جَاءَ
أَعْرَابِيٌّ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَهَا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا
سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَارَ رَاحِلَتَهُ ،
فَأَطْلَقَهَا ، ثُمَّ رَكِبَ ، ثُمَّ نَادَى اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا
وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ ؟ أَلَمْ
تَسْمَعُوا إلَى مَا قَالَ ؟ الْجُشَمِيُّ } تَفَرَّدَ عَنْهُ الْجَرِيرِيُّ
.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ وَإِنْ
كَانَ ظَالِمًا فِي شَيْءٍ آخَرَ وَإِنَّ ظُلْمَهُ فِي شَيْءٍ لَا
يَمْنَعُ

نَصْرَهُ عَلَى ظَالِمِهِ فِي شَيْءٍ آخَرَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ
الْأَدِلَّةِ .
وَقَالَ الْخَلَّالُ : بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ مُعَاوَنَةِ
الظَّالِمِ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ
رَجُلٍ جَحَدَ آخَرَ مِيرَاثًا لَهُ فِي يَدَيْهِ ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ رَجُلٌ آخِر
وَظَلَمَهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ هَذَا الْمِيرَاثِ وَلَهُ قَرَابَةٌ
فَاسْتَغَاثَهُمْ عَلَى ظَالِمِهِ فَقَالُوا : إنَّا نَخَافُ أَنْ نُعِينَك عَلَى
ظُلَامَتِك هَذِهِ فَلَسْنَا بِفَاعِلِينَ حَتَّى تَرُدَّ إلَى أُخْتِكَ
مِيرَاثَهَا ، فَإِنْ فَعَلْتَ أَعَنَّاك عَلَى هَذَا الَّذِي ظَلَمَك قَالَ : مَا
أَعْرِفُ مَا تَقُولُونَ وَمَا لِهَذِهِ عِنْدِي مِيرَاثٌ .
فَقَالَ : لَا
.
مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِينُوهُ ، أَخْشَى أَنْ يَجْتَرِئَ ، لَا ، وَلَكِنْ
يَدَعُوهُ حَتَّى يَنْكَسِرَ فَيَرُدَّ عَلَى هَذِهِ قِيلَ لَهُ وَهُمْ قَرَابَتُهُ
وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ هَذَا قَدْ ظَلَمَهُ قَالَ : لَا يُعِينُوهُ حَتَّى يُؤَدِّي
إلَى تِلْكَ لَعَلَّهُ أَنْ يَنْتَهِي بِهَذَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي
حَرْبٍ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ ظَالِمٍ ظَلَمَهُ رَجُلٌ
أُعِينُهُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ ظُلْمِهِ .
وَرَوَى
الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ
عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ الْمُنْقِرِيُّ
حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ الْخَطَّابُ قَالَ : لَقِيَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا ثَابِتٍ ؟ قُلْتُ : أَشْتَرِي دَقِيقًا لِأَبِي
سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ ، فَقَالَ : تَشْتَرِي لِأَبِي سُلَيْمَانَ دَقِيقًا
؟ فَقُلْتُ : وَمَا بَأْسٌ ؟ فَقَالَ : مَا يَحِلُّ لَك قَالَ : فَقُلْتُ مِنْ
أَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : لَا يَحِلُّ ، تَشْتَرِي
دَقِيقًا لِرَجُلٍ يَرُدُّ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ : وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمُرُوآتِ
وَالْفَضَائِلِ التَّسَرُّعُ إلَى إجَابَةِ الطَّعَامِ وَالتَّسَامُحُ بِحُضُورِ
الْوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهُ يُورِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ
الْهَيْبَةِ مِنْ نُفُوسِ

النَّاسِ ، وَسَلَامُ أَهْلِ الذِّمَّةِ
الْمَشْهُورُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُسْتُنْبِطَ
مِنْهُ اسْتِحْبَابُ تَغَافُلِ أَهْلِ الْفَضْلِ عَنْ سَفَهِ الْمُبْطِلِينَ إذَا
لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ : الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ ، هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ وَقَالَ
بَعْضُهُمْ : وَإِنِّي لَأَعْفُو عَنْ ذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ وَفِي دُونِهَا قَطْعُ
الْحَبِيبِ الْمُوَاصِلِ وَأُعْرِضُ عَنْ ذِي الذَّنْبِ حَتَّى كَأَنَّنِي جَهِلْتُ
الَّذِي يَأْتِي وَلَسْتُ بِجَاهِلِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ
أَنَّهُ قَالَ : صَدِيقُكَ حِينَ تَسْتَغْنِي كَثِيرٌ وَمَا لَكَ عِنْدَ فَقْرِك
مِنْ صَدِيقِ وَكُنْتُ إذَا الصَّدِيقُ أَرَادَ غَيْظِي عَلَى حَنَقٍ وَأَشْرَقَنِي
بِرِيقِي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُ وَصَفَحْتُ عَنْهُ مَخَافَةَ أَنْ أَكُونَ بِلَا
صَدِيقِ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَأَنْشَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى : وَمَنْ
لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهْوَ
عَاتِبُ وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ يَجِدْهَا وَلَا يَسْلَمْ لَهُ
الدَّهْرَ صَاحِبُ وَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ : لَمْ أُؤَاخِذْكَ بِالْجَفَاءِ لِأَنِّي
وَاثِقٌ مِنْك بِالْإِخَاءِ الصَّحِيحِ وَجَمِيلُ الْعَدُوِّ غَيْرُ جَمِيلٍ
وَقَبِيحُ الصَّدِيقِ غَيْرُ قَبِيحِ وَقَدْ قِيلَ : لَا تَرْجُ شَيْئًا خَالِصًا
نَفْعُهُ فَالْغَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْ الْغُثَاءِ وَقَالَ أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ
بْنُ عِمْرَانَ دَعَا رَجُلٌ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ : تَرَى أَنْ
تَعْصِيَنِي بَعْدَ الْإِجَابَةِ قَالَ : لَا .
فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَأَقْعَدَ
مَعَ أَحْمَدَ مَنْ لَمْ يَشْتَهِ أَحْمَدُ أَنْ يَقْعُدَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ
عِنْدَ ذَلِكَ رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ سِيرِينَ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تُكْرِمْ
أَخَاكَ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ هَذَا أَخِي أَكْرَمَنِي بِمَا يَشُقُّ
عَلَيَّ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَا نَدْعُو مَنْ تَشُقُّ عَلَيْهِ
الْإِجَابَةُ وَإِذَا حَضَرَ تَأَذَّى الْحَاضِرُونَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ ،
وَقَالَ : إنْ كَانَ الطَّعَامُ حَرَامًا فَلِيَمْتَنِعْ مِنْ الْإِجَابَةِ ،
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ

مُنْكَرٌ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّاعِي ظَالِمًا
أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ مُفَاخِرًا بِدَعْوَتِهِ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي
مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الضِّيَافَةِ مُبْتَدِعٌ يَتَكَلَّمُ
بِبِدْعَتِهِ لَمْ يَجُزْ الْحُضُورُ مَعَهُ إلَّا لِمَنْ يُقْدِمُ عَلَى الرَّدِّ
عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُبْتَدِعُ جَازَ الْحُضُورُ مَعَهُ مَعَ
إظْهَارِ الْكَرَاهَةِ لَهُ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُضْحِكٌ
بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ لَمْ يَجُزْ الْحُضُورُ ، وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ فَإِنْ
كَانَ مَعَ ذَلِكَ مَزْحٌ لَا كَذِبَ فِيهِ ، وَلَا فُحْشَ أُبِيحَ مَا يَقِلُّ
مِنْ ذَلِكَ ، فَأَمَّا اتِّخَاذُهُ صِنَاعَةً وَعَادَةً فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ
.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد بَابٌ فِي طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ حَدَّثَنَا
هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ أَنْبَأْنَا أَبِي حَدَّثَنَا
جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الزُّبَيْرِ أَبِي الْحَارِثِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ
يَقُولُ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ }
.
إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
قَالَ أَبُو دَاوُد أَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ جَرِيرٍ
لَا يَذْكُرُ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ .
وَهَارُونُ النَّحْوِيُّ ذَكَرَ فِيهِ
ابْنَ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ الْمُتَبَارِيَيْنِ هُمَا الْمُتَعَارِضَانِ ،
فَفِعْلُهُمَا لِيُعْجِزَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِصَنِيعِهِ .
وَإِنَّهُ إنَّمَا
كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَالرِّيَاءِ .
فَهَذَا يَدُلُّ لِمَا
ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ فِي الْمُفَاخِرِ بِدَعْوَتِهِ ، وَذِكْرُ أَبُو
دَاوُد لِذَلِكَ يُوَافِقُهُ ، ثُمَّ هَلْ يَحْرُمُ أَكْلُ هَذَا الطَّعَامِ أَوْ
يُكْرَهُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ نَظَرًا إلَى ظَاهِر النَّهْيِ وَالْمَعْنَى
.

وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي فَتَاوِيهِ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي
أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي وَلَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُ ، انْتَهَى
كَلَامُهُ ، وَقَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ
يَجُوزُ هَجْرُهُ .
وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا تَجِبُ
إجَابَتُهُ ، وَحَكَاهُ فِي الْمُغْنِي عَنْ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ : إنَّهُ لَا
يَأْمَنُ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَةِ فَعَلَى مُقْتَضَى
هَذَا التَّعْلِيلِ لَا تَجِبُ إجَابَةُ مُسْلِمٍ فِي مَا لَهُ شُبْهَةٌ وَلَا
سِيَّمَا إذَا كَثُرَتْ ، وَلَا مَنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ النَّجَاسَةِ ،
وَيُلَابِسُهَا كَثِيرًا ، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُدْعَى إلَى
الْخِتَانِ أَوْ الْعُرْسِ وَعِنْدَهُ الْمُخَنَّثُونَ ، فَيَدْعُوهُ بَعْد ذَلِكَ
بِيَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أُولَئِكَ ؟ فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا
يَأْثَمَ إنْ لَمْ يُجِبْ ، وَإِنْ أَجَابَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا
.
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذَا النَّصِّ : فَأُسْقِطَ
الْوُجُوبُ لِإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِاِتِّخَاذِ الْمُنْكَرِ
وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْإِجَابَةِ لِكَوْنِ الْمُجِيبِ لَا يَرَى مُنْكَرًا وَلَا
يَسْمَعُهُ وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : إنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إذَا كَانَ
الْمُكْتَسِبُ طَيِّبًا وَلَمْ يَرَ مُنْكَرًا ، وَهَذَا يُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ
مِنْ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ فِي الْمُغْنِي بَعْد ذِكْرِهِ
لِهَذَا النَّصِّ : فَعَلَى هَذَا لَا تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ طَعَامُهُ مِنْ
مُكْتَسَبٍ خَبِيثٍ ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ مُنْكَرٌ وَالْأَكْلُ مِنْهُ مُنْكَرٌ ،
فَهُوَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ ، وَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَأْكُلْ .
وَقَالَ
صَالِحُ لِأَبِيهِ : مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ يَدْعُونِي إلَى
غِذَائِهِ وَعَشَائِهِ أُجِيبُهُ ، وَأُجَالِسُهُ قَالَ : تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ
فَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ كَسْبًا طَيِّبًا وَعَصَى اللَّه فِي بَعْضِ أَمْرِهِ
يَدْعُو لَا يُجَابُ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ
وَأَنَا شَاهِدٌ : الرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَرْيَةِ أَوْ الرُّسْتَاقِ وَسُئِلَ
عَنْ الشَّيْءِ

مِنْ الْعِلْمِ فَأُهْدِيَ لَهُ الثِّمَارُ وَرُبَّمَا
اسْتَعَانَ بِقَوْمٍ يَعْمَلُونَ فِي أَرْضِهِ فَقَالَ : إنْ كَانَ يُكَافِئُ
وَإِلَّا فَلَا يَقْبَلُ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : سُئِلَ أَبُو
عَبْدِ اللَّه عَنْ الرَّجُلِ يُهْدَى إلَيْهِ الشَّيْءُ أَفَتَرَى أَنْ يَقْبَلَ ؟
فَقَالَ : قَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ
الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ } ، أَرَى لَهُ إنْ هُوَ قَبِلَ أَنْ يُثِيبَ .
وَذَكَرَ
إِسْحَاقُ فِي الْأَدَب مِنْ مَسَائِلِهِ أَنَّ إنْسَانًا أَهْدَى لِأَبِي عَبْدِ
اللَّهِ مَرَّةً شَيْئًا مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قَالَ : فَأَعْطَانِي
دِينَارًا .
فَقَالَ : اذْهَبْ فَاشْتَرِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ سُكَّرًا
وَبِتِسْعَةِ دَرَاهِمَ تَمْرًا بَرْنِيًّا وَاذْهَبْ بِهِ إلَيْهِ ، فَفَعَلْتُ ،
فَقَالَ اذْهَبْ بِهِ إلَيْهِ بِاللَّيْلِ .
وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَلَامٌ
كَثِيرٌ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ وَبَعْضَ الْأَخْبَارِ فِيهِ
فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي
طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : نِعْمَ الشَّيْءُ الْهَدِيَّةُ أَمَامَ الْحَاجَةِ
.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نِعْمَ الْعَوْنُ الْهَدِيَّةُ عَلَى طَلَبِ الْحَاجَةِ وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ
عَدِيٍّ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَّابًا مَتْرُوكًا فَإِنَّهُ إخْبَارِيٌّ
عَلَّامَةٌ فَقَالَ : يُقَالُ : مَا اُرْتُضِيَ الْغَضْبَانُ ، وَلَا اُسْتُعْطِفَ
السُّلْطَانُ ، وَلَا سُلَّتْ السَّخَائِمُ ، وَلَا دُفِعَتْ الْمَغَارِمُ ، وَلَا
تُوُقِّيَ الْمَحْذُورُ ، وَلَا اُسْتُمِيلَ الْمَهْجُورُ ، بِمِثْلِ الْهَدِيَّةِ
وَالْبِرِّ وَقَالَ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ : وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { تَجَاوَزُوا وَتَزَاوَرُوا
وَتَهَادَوْا ، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُثْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَتَسُلُّ السَّخِيمَةَ
} قَالَ الشَّاعِرُ : هَدَايَا النَّاسِ بَعْضَهُمْ لِبَعْضِ تُوَلِّدُ فِي
قُلُوبِهِمْ الْوِصَالَا وَتَزْرَعُ فِي الضَّمِيرِ هَوًى وَوُدَّا وَتُلْبِسُهُمْ
إذَا حَضَرُوا جَمَالَا .

فَصْلٌ ( الْهَدِيَّةُ لِمَنْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ
لَا لِمَنْ حَضَرَ ) .
الْهَدِيَّةُ إنْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ يَخُصُّ بِهَا مَنْ
شَاءَ ، وَلَا يَصِحُّ الْخَبَرُ إنَّهَا لِمَنْ حَضَرَ ، وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ
شَرْعًا وَعُرْفًا الْهَدِيَّةُ أَوَائِلُ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
مِنْهَا لَا سِيَّمَا إلَى الْكَبِيرِ الصَّالِحِ وَدُعَائِهِ عِنْدَ ذَلِكَ
بِالْبَرَكَةِ ، وَأَنَّهُ يُخَصِّصُ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ بَعْضَ مَنْ يُحْضِرُهُ
مِنْ الصِّغَارِ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ لِذَلِكَ مَوْقِعًا عَظِيمًا بِخِلَافِ
الْكِبَار .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ
الثَّمَرِ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي مُدِّنَا
وَفِي صَاعِنَا وَفِي ثِمَارِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ
مَنْ يُحْضِرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ } .

فَصْلٌ ( قَبُولُ الْهَدِيَّةِ إذَا
لَمْ تَكُنْ عَلَى عَمَلِ الْبِرِّ ) .
قَالَ أَبُو الْحَارِثِ : إنَّ أَبَا
عَبْدَ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَسْأَلهُ الرَّجُلُ الْحَاجَةَ فَيَسْعَى
مَعَهُ فِيهَا فَيُكَافِئُهُ عَلَى ذَلِكَ بِلُطْفِهِ يُهْدِي لَهُ تَرَى لَهُ أَنْ
يَقْبَلَهَا ؟ قَالَ إنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْبِرِّ وَطَلَبِ الثَّوَابِ كَرِهْتُ
لَهُ ذَلِكَ ، فَهَذَا النَّصُّ إنَّمَا فِيهِ الْكَرَاهَةُ لِمَنْ طَلَبَ الْبِرَّ
وَالثَّوَابَ ، وَظَاهِرُهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا
فِي الْمُعَلِّمِ إنْ أُعْطِيَ شَيْئًا بِلَا شَرْطٍ جَازَ ، وَإِنَّهُ ظَاهِرُ
كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ الْقَوْسَيْنِ
.
قَالَ فِي الْمُغْنِي : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ فَكَرِهَهُ
لَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ صَالِحٌ وُلِدَ لِي مَوْلُودٌ فَأَهْدَى إلَيَّ
صَدِيقٌ لِي شَيْئًا ، فَمَكَثْت عَلَى ذَلِكَ أَشْهُرًا ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ
إلَى الْبَصْرَةِ فَقَالَ لِي : كَلِّمْ لِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَكْتُبُ لِي
إلَى الْمَشَايِخِ بِالْبَصْرَةِ فَكَلَّمْته ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنَّهُ أَهْدَى
إلَيْك كَتَبْتُ فَلَسْتُ أَكْتُبُ لَهُ .
وَقَالَ صَالِحٌ قُلْتُ لِأَبِي :
رَجُلٌ أَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَسَلَّمَهَا إلَى الَّذِي أَوْدَعَهُ فَأَهْدَى
إلَيْهِ شَيْئًا يَقْبَلُهُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ أَبِي : إذَا عَلِمَ أَنَّهُ
إنَّمَا أَهْدَى إلَيْهِ لِأَدَاءِ أَمَانَتِهِ فَلَا يَقْبَلْ الْهَدِيَّةَ إلَّا
أَنْ يُكَافِئ بِمِثْلِهَا ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ
السَّابِقَةِ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي
لِلْخَاطِبِ إذَا خَطَبَ لِقَوْمٍ أَنْ يَقْبَلَ لَهُمْ هَدِيَّةً .
وَظَاهِرُ
الرِّوَايَةِ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا أَوْ الْكَرَاهَةُ ، وَاخْتَارَ التَّحْرِيمَ
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ فِي كُلِّ شَفَاعَةٍ فِيهَا إعَانَةٌ
عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكُ مُحَرَّمٍ وَفِي شَفَاعَةٍ عِنْدَ وَلِيِّ أَمْرٍ
لِيُوَلِّيَهُ وِلَايَةً أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْمُقَاتَلَةِ ، وَهُوَ
مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ أَوْ لِيُعْطِيَهُ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ،
أَوْ الْقُرَّاءِ

وَالْفُقَهَاءِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ
الِاسْتِحْقَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ
وَالْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ ، وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ
فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ هَذَا مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ يَعْنِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ
قَالَ : وَهَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ
وَالْأَئِمَّةِ فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
الَّتِي الْقِيَامُ بِهَا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ ، فَيَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ
الْجُعْلِ فِيهِ تَرْكُ الْأَحَقِّ ، وَالْمَنْفَعَةُ لَيْسَتْ لِلْبَاذِلِ بَلْ
لِلنَّاسِ ، وَطَلَبِ الْوِلَايَةِ مَنْهِيُّ عَنْهُ فَكَيْفَ ؟ بِالْعِوَضِ
فَهَذَا مِنْ بَابِ الْفَسَادِ .
انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَهَذَا الْمَعْنَى
الَّذِي احْتَجَّ بِهِ خَاصٌّ ، وَيُتَوَجَّه لِأَجْلِهِ قَوْلٌ ثَالِثُ وَهُوَ
مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الْآتِي ، وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي احْتَجَّ
بِهِ فَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ : بَابُ الْهَدِيَّةِ لِلْحَاجَةِ ثُمَّ
رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : { مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً
فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا }
مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ
وَالْعِجْلِيُّ وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ وَالنَّسَوِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ
أَبُو حَاتِمٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ كَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا
وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ ابْنُ حِرَاشٍ ضَعِيفٌ
جِدًّا وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ .
وَرَوَاهُ
أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَضُعْفُهُ مَشْهُورٌ ، وَفِي صِحَّتِهِ
نَظَرٌ ، وَكَيْف يَكُونُ هَذَا بَابًا عَظِيمًا مِنْ الرِّبَا ثُمَّ يُحْمَلُ
عَلَى شَفَاعَةٍ مُتَعَيَّنَةٍ لَا سِيَّمَا فِي وِلَايَةٍ ، أَوْ عَلَى قَصْدِ
الْقُرْبَةِ ، وَلِهَذَا رَتَّبَ الْهَدِيَّةَ عَلَى الشَّفَاعَةِ .
وَرَأَيْتُ
تَعْلِيقًا عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى النُّسْخَةِ الْعَتِيقَةِ لِابْنِ
تَيْمِيَّةَ ، وَعَلَيْهَا خَطُّ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الْحَسَنُ
بْنُ

أَحْمَدَ ابْنِ الْبَنَّا نَسَخَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ
وَأَرْبَعِمِائَةٍ رَأَيْت عَلَى الْمُجَلَّدَةِ الْأَخِيرَةِ : لَا يَجُوزُ أَخَذُ
الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّفْعِ عَنْ الْمَظْلُومِ .
ثُمَّ ذَكَرَ
رِوَايَةَ أَبِي الْحَارِثِ السَّابِقَةِ وَقَالَ : فَإِذَا كَرِهَ ذَلِكَ فِيمَا
لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَأَوْلَى أَنْ يَكْرَهَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ
دَفْعِ الْمَظَالِمِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ وَصَاحِبَهُ أَبَا حَفْصٍ
رَوَيَا خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَرَوَى ابْن عُمَرَ عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ
زَاذَانَ { أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ لِمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ : إيَّاكَ
وَالْهَدِيَّةَ فِي سَبَبِ الشَّفَاعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّحْتِ } ثُمَّ
ذَكَرَ رِوَايَةَ يَعْقُوبَ السَّابِقَةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَذَكَرَ ابْنُ حَفْصٍ
فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ بَابَ كَرَاهَةِ الْهَدِيَّةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ
قَالَ الْأَثْرَمُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يُعْطَى عِنْدَ الْمُفَصَّلِ
قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي .
انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَتَكَلَّمَ أَبُو مَسْعُودٍ
لِرَجُلٍ فِي حَاجَةٍ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةَ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهَا وَقَالَ :
آخُذُ أَجْرَ شَفَاعَتِي فِي الدُّنْيَا ، رَوَاهُ صَالِحُ عَنْ أَبِيهِ
إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ عَوْفٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْهُ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ جَعْفَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ رَدَّهَا وَقَالَ إنَّا أَهْلُ
بَيْتٍ لَا نَأْخُذُ عَلَى مَعْرُوفِنَا ثَمَنًا .
رَوَاهُ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَلِيِّ بْن عَاصِمٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ
وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْهُ .
وَقَدْ كَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ
السَّرِيِّ بْنِ سَهْلٍ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ
الْحِسَانِ وَمِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ مَعَ حُسْنِ الِاعْتِقَادِ أَدَّبَ
الْقَاسِمَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّه فَلَمَّا تَوَلَّى الْقَاسِمُ الْوَزَارَةَ كَانَ
وَظِيفَةُ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْده أَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقَصَصَ وَيَقْضِي
عِنْده الْأَشْغَالَ وَيُشَارِطُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَأْخُذُ مَا
أَمْكَنَهُ

وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ .
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ
الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظِمِ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ أَبَا إِسْحَاقَ بِهَذِهِ
التَّرْجَمَةِ ، وَذَكَرَ قِصَّتَهُ قَالَ : رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ
الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ يَقْرَءُونَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ وَيَتَعَجَّبُونَ ،
مُسْتَحْسِنِينَ لِهَذَا الْفِعْلِ ، غَافِلِينَ عَمَّا تَحْتَهُ مِنْ الْقَبِيحِ ،
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوُلَاةِ إيصَالُ قَصَصِ الْمَظْلُومِينَ
وَأَهْلِ الْحَوَائِجِ ، فَإِقَامَةُ مَنْ يَأْخُذُ الْأَجْعَالَ عَلَى هَذَا
الْقَبِيحِ حَرَامٌ ، وَهَذَا مِمَّا وَهِيَ بِهِ الزَّجَّاجُ وَهْيًا عَظِيمًا ،
وَلَا يَرْتَفِعُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ مَا فِي بَاطِنِ مَا قَدْ حَكَاهُ
عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَا جَهْلٌ بِمَعْرِفَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ ، وَإِنْ كَانَ
يَعْرِفُ فَحِكَايَتُهُ فِي غَايَةِ الْقُبْحِ ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قِلَّةِ
الْفِقْهِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَلَنَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي أَخْذِ
الْأُجْرَةِ وَالْجَعَالَةِ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا
وَالتَّفْرِقَةِ ، فَغَايَةُ الشَّفَاعَةِ كَذَلِكَ .
وَنَصَّ أَحْمَدُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنْ لَوْ قَالَ : اقْتَرِضْ لِي مِائَةً وَلَك عَشَرَةً
.
أَنَّهُ يَصِحُّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : لِأَنَّهُ جَعَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ
مُبَاحٍ ، قَالُوا : يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْذُلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّ
عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ
يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا .
وَقَاسُوهُ عَلَى
أُجْرَةِ الدَّلِيلِ .
وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسُئِلَ عَنْ
السُّحْتِ فَقَالَ : أَنْ تَشْفَعَ لِأَخِيكَ شَفَاعَةً فَيَهْدِي لَك هَدِيَّةً
فَتَقْبَلُهَا ، فَقِيلَ لَهُ : أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ هَدِيَّةً فِي بَاطِلٍ قَالَ
: ذَلِكَ كُفْرٌ { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ
الْكَافِرُونَ } .
فَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ : وَإِنَّمَا
السُّحْتُ أَنْ يَسْتَعِينَكَ عَلَى مَظْلِمَةٍ ، فَيَهْدِي لَك فَلَا تَقْبَلُ
ثُمَّ يُجَابُ عَنْهُ بِمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
.

فَصْلٌ ( حَمْلُ مَا جَاءَ عَنْ الْإِخْوَانِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَحَامِلِ
) .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ
عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ { إذَا بَلَغَكَ شَيْءٌ عَنْ أَخِيكَ فَاحْمِلْهُ
عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى لَا تَجِدَ لَهُ مَحْمَلًا } مَا يَعْنِي بِهِ ؟ قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يَقُولُ تَعْذُرُهُ ، تَقُولُ : لَعَلَّهُ كَذَا ،
لَعَلَّهُ كَذَا .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ :
إنَّ أَبَا مُوسَى هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ جَاءَ إلَى رَجُلٍ شَتَمَهُ
لَعَلَّهُ يَعْتَذِرُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ وَشَقَّ الْبَابَ فِي
وَجْهِهِ ؛ فَعَجِبَ وَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَمَا إنَّهُ قَدْ بَغَى
عَلَيْهِ سَيُنْصَرُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : رَجُلٌ نَقَلَ قَدَمَهُ وَيَجِيءُ
إلَيْهِ يَعْتَذِرُ لَا يَخْرُجُ .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ
بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْن
مِينَاءَ عَنْ جُوذَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ { مَنْ اعْتَذَرَ إلَى أَخِيهِ بِمَعْذِرَةٍ لَمْ يَقْبَلْهَا كَانَ
عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ } .
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ
بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ وَكِيعٍ ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنُ مِينَاءَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ
سُهَيْلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ وَكِيعٍ .
وَقَالَ عَنْ ابْنِ جُوذَانَ : وَهُوَ
مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَلَمْ أَرَ فِي الْعَبَّاسِ
ضَعْفًا .
وَمُرَادُ هَذَا الْخَبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَمْ يُعْلَمْ
كَذِبُهُ .
وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ رَوَى عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اعْتَذَرَ إلَيْهِ
أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلْيَقْبَلْ عُذْرَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ .
}
وَقَالَ عُمَرُ : لَا تَلُمْ أَخَاكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ فِي مِثْلِهِ
.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَنِي فِي أُذُنِي
هَذِهِ وَاعْتَذَرَ إلَيَّ فِي أُذُنِي الْأُخْرَى لَقَبِلْتُ عُذْرَهُ .
وَمِنْ
النَّظْمِ فِي مَعْنَاهُ

: قِيلَ لِي قَدْ أَسَاءَ إلَيْكَ فُلَانُ
وَقُعُودُ الْفَتَى عَلَى الضَّيْمِ عَارُ قُلْتُ قَدْ جَاءَنَا فَأَحْدَثَ عُذْرَا
دِيَةُ الذَّنْبِ عِنْدَنَا الِاعْتِذَارُ وَقَالَ الْأَحْنَفُ : إنْ اعْتَذَرَ
إلَيْكَ مُعْتَذِرٌ تَلَقَّهُ بِالْبِشْرِ وَقَالَ الشَّاعِرُ : يَلُومُنِي
النَّاسُ فِيمَا لَوْ أُخَبِّرُهُمْ بِالْعُذْرِ مِنِّي فِيهِ لَمْ يَلُومُونِي
وَقَالَ آخَرُ : اقْبَلْ مَعَاذِيرَ مَنْ يَأْتِيكَ مُعْتَذِرَا إنْ بَرَّ عِنْدَكَ
فِيمَا قَالَ أَوْ فَجَرَا فَقَدْ أَطَاعَكَ مَنْ يُرْضِيكَ ظَاهِرُهُ وَقَدْ
أَجَلَّكَ مَنْ يَعْصِيكَ مُسْتَتِرَا وَكَانَ يُقَالُ : مَنْ وُفِّقَ لِحُسْنِ
الِاعْتِذَارِ خَرَجَ مِنْ الذَّنْبِ .
وَكَانَ يُقَالُ : اعْتِذَارُ مَنْ
يَمْنَعُ خَيْرٌ مِنْ وَعْدٍ مَمْطُولٍ .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بوح الليل




السباحة

عامل

مكيف

ذكر
العقرب

الثور
عدد المساهمات: 513
نقاط: 10392
السٌّمعَة: 5
تاريخ الميلاد: 17/11/1985
تاريخ التسجيل: 22/09/2009
العمر: 28
الموقع: قاسمي نت
العمل/الترفيه: مستخدم

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الآداب الشرعية -- المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -- ج 1   2011-04-19, 07:46

وَلِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى مَالٍ
أُفَرِّقُهُ عَلَى الْمُقِلِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوآت إنَّ اعْتِذَارِي إلَى
مَنْ جَاءَ يَسْأَلُنِي مَا لَيْسَ عِنْدِي مِنْ إحْدَى الْمُصِيبَاتِ وَقَالَ
آخَرُ : هِيَ الْمَقَادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ إنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا
أَخْطَأَ الْقَدَرْ وَقَالَ آخَرُ : وَإِذَا عُيِّرُوا قَالُوا مَقَادِيرُ
قُدِّرَتْ وَمَا الْعَارُ إلَّا مَا تَجُرُّ الْمَقَادِيرُ وَقَالَ الْأَحْنَفُ :
إيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَلَّمَا اعْتَذَرَ أَحَدٌ فَيَسْلَمُ
مِنْ الْكَذِبِ .
وَقَالَ أَيْضًا : أَسْرَعُ النَّاسِ فِي الْفِتْنَةِ
أَقَلُّهُمْ حَيَاءً مِنْ الْفِرَارِ .
قَالَ الشَّاعِرُ : الْعَبْدُ يُذْنِبُ
وَالْمَوْلَى يُقَوِّمُهُ وَالْعَبْدُ يَجْهَلُ وَالْمَوْلَى يُعَلِّمُهُ إنِّي
نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ زَلَلِي وَزَلَّةُ الْمَرْءِ يَمْحُوهَا تَنَدُّمُهُ
وَقَدْ قِيلَ : عَجِبْتُ لِمَنْ يَبْكِي عَلَى فَقْدِ غَيْرِهِ زَمَانًا وَلَا
يَبْكِي عَلَى فَقْدِهِ دَمَا وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنْ يَرَى عَيْبَ غَيْرِهِ
عَظِيمًا وَفِي عَيْنَيْهِ عَنْ عَيْبِهِ عَمَى وَقِيلَ أَيْضًا : عَجِبْتُ مِنْ
الدُّنْيَا سَلَامَةَ ظَالِمِ وَعِزَّةَ ذِي بُخْلٍ وَذُلَّ كَرِيمِ وَأَعْجَبُ
مِنْ هَذَا كَرِيمٌ أَصَابَهُ قَضَاءٌ فَأَضْحَى تَحْتَ حُكْمِ لَئِيمِ وَذَكَرَ
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ مِنْ كَلَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : مُعَاتَبَةُ
الْأَخِ

أَهْوَنُ مِنْ فَقْدِهِ ، وَمَنْ لَكَ بِأَخِيكَ كُلِّهِ ، فَأَعْطِ
أَخَاكَ وَهَبْ لَهُ ، وَلَا تُطِعْ فِيهِ كَاشِحًا فَتَكُونَ مِثْلَهُ
.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ : مَنْ لَكَ بِأَخِيكَ كُلِّهِ ؟ لَا تَسْتَقْصِ
عَلَيْهِ فَتَبْقَى بِلَا أَخٍ ، وَقَالَ عَمْرٌو : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْقَلُ
النَّاسِ أَعْذَرُهُمْ لَهُمْ .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : قَالَ أَعْرَابِيٌّ :
عَاتِبْ مَنْ تَرْجُو رُجُوعَهُ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : الْعِتَابُ
الْوَفَاءُ ، وَسِلَاحُ الْأَكْفَاءِ ، وَحَاصِلُ الْجَفَاءِ ، وَقَالَ (
الْعَتَّابِيُّ ) : ظَاهِرُ الْعِتَابِ خَيْرٌ مِنْ مَكْنُونِ الْحِقْدِ ،
وَصِرْفَةُ النَّاصِحِ خَيْرٌ مِنْ تَحِيَّةِ الشَّانِي ، وَقَالَ بَعْضُ
الْحُكَمَاءِ : مَنْ كَثُرَ حِقْدُهُ قَلَّ عِتَابُهُ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
دَاوُد : مَنْ لَمْ يُعَاتِبْ عَلَى الزَّلَّةِ ، فَلَيْسَ بِحَافِظٍ لِلْخُلَّةِ
وَقَالَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ : الْإِكْثَارُ مِنْ الْعِتَابِ دَاعِيَةٌ إلَى
الْمَلَالِ ، وَسَبَقَ قَرِيبًا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ " الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ ،
هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ " وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ طَاهِرٍ : أُعَاتِبُ مَنْ يَحْلُو بِقَلْبِي عِتَابُهُ وَأَتْرُكُ مَنْ لَا
أَشْتَهِي أَنْ أُعَاتِبَهْ وَلَيْسَ عِتَابُ الْمَرْءِ لِلْمَرْءِ نَافِعًا إذَا
لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ لُبٌّ يُعَاتِبُهْ وَقَالَ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ : إنْ
كَانَ لَفْظِي كَرِيهًا فَاصْبِرَا فَعَلَى كُرْهِ الْعِلَاجِ يُصِحُّ اللَّهُ
أَبْدَانَا لَوْلَا الْعَوَارِضُ مَا طَابَ الشَّبَابُ كَذَا لَوْلَا قِصَارَتُنَا
لِلثَّوْبِ مَا لَانَا إنِّي أُعَاتِبُ إخْوَانِي وَهُمْ ثِقَتِي طَوْرًا وَقَدْ
يُصْقَلُ السَّيْفُ أَحْيَانَا هِيَ الذُّنُوبُ إذَا مَا كُشِفَتْ دَرَسَتْ مِنْ
الْقُلُوبِ وَإِلَّا صِرْنَ أَضْغَانَا وَقَالَ آخَرُ : خُذْ مِنْ صَدِيقِكِ مَا
صَفَا لَكَ لَا تَكُنْ جَمَّ الْمَعَائِبْ إنَّ الْكَثِيرَ عِتَابُهُ الْإِخْوَانَ
لَيْسَ لَهُمْ بِصَاحِبْ وَقَالَ آخَرُ : إنَّ الظَّنِينَ مِنْ الْإِخْوَانِ
يُبْرِمُهُ طُولُ الْعِتَابِ وَتُغْنِيهِ الْمَعَاذِيرُ وَذُو الصَّفَاءِ إذَا
مَسَّتْهُ مَعْذِرَةٌ كَانَتْ لَهُ عِظَةٌ فِيهَا وَتَذْكِيرُ وَقَالَ آخَرُ :
وَلَسْتُ مُعَاتِبًا

خِلًّا لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَتْبَ يُغْرِي
بِالْعُقُولِ وَقَالَ آخَرُ : وَلَوْ أَنِّي أُوَقِّفُ لِي صَدِيقَا عَلَى ذَنْبٍ
بَقِيتُ بِلَا صَدِيقِ وَقَالَ آخَرُ : إنِّي لَيَهْجُرُنِي الصَّدِيقُ تَجَنُّبَا
فَأُرِيهِ أَنَّ لِهَجْرِهِ أَسْبَابَا وَأَخَافُ إنْ عَاتَبْتُهُ أَغْرَيْتُهُ
فَأَرَى لَهُ تَرْكَ الْعِتَابِ عِتَابَا وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
مَرْفُوعًا { ارْحَمُوا تُرْحَمُوا ، اغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ
الْقَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ
يَعْلَمُونَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .
أَقْمَاعُ الْقَوْلِ : هُمْ
الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ وَلَا يَعُونَهُ وَلَا يَفْهَمُونَهُ .
وَفِي
الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ { : مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ
لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ } وَهُوَ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ
.
وَرَوَى أَحْمَدُ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَنْبَأَنَا
زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَجُلًا
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا أَوْ
قَالَ : إنِّي أَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا قَالَ : وَالشَّاةُ إنْ
رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ } إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَا تُنْزَعُ
الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ } .
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ
أَبِي سَعِيدٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ { لَا حَلِيمَ إلَّا ذُو عَثْرَةٍ ، وَلَا
حَكِيمَ إلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ } وَلَهُ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ حُذَيْفَةَ
وَابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا .
{ لَا تَكُونُوا إمَّعَةً تَقُولُونَ إنْ
أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا
أَنْفُسَكُمْ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا
تَظْلِمُوا } الْإِمَّعَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الَّذِي لَا
يَثْبُتُ مَعَ أَحَدٍ وَلَا عَلَى رَأْيٍ لِضَعْفِ رَأْيِهِ ، وَالْهَاءُ فِيهِ
لِلْمُبَالَغَةِ وَيُقَالُ فِيهِ إمَّعٌ أَيْضًا وَلَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ
إمَّعَةٌ وَهَمْزَتُهُ أَصْلِيَّةٌ

لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إفَّعَلُ وَصْفًا
، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَا مَعَكَ ،
قَالَ : وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ { لَا يَكُونُ أَحَدُكُمْ إمَّعَةً ،
قِيلَ وَمَا الْإِمَّعَةُ ؟ قَالَ : الَّذِي يَقُولُ وَأَنَا مَعَ النَّاسِ }
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ السَّرَّاجُ : هُوَ فِعْلٌ لِأَنَّهُ
لَا يَكُونُ إفَّعَلُ وَصْفًا ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : امْرَأَةٌ إمَّعَةٌ غَلَطٌ ،
لَا يُقَالُ لِلنِّسَاءِ ذَلِكَ ، وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ
.
وَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّجُلِ
الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ ؟ وَلَكِنْ يَقُولُ : { مَا بَالُ
أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ
وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ سَلْمٍ الْعَلَوِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ أَنَسٍ {
أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَلَّمَا يُوَاجِهُ رَجُلًا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ
: لَوْ أَمَرْتُمْ أَنْ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ } وَرَوَوْا أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ
بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا {
الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ :
غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد
مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ
فُرَافِصَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا {
لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمْ ، وَيُرْوَى بِضَمِّ
الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا فَالضَّمُّ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ ، مَعْنَاهُ أَنَّ
الْمُؤْمِنَ هُوَ الْكَيِّسُ الْحَازِمُ الَّذِي لَا يُؤْتَى مِنْ جِهَةِ
الْغَفْلَةِ فَيُخْدَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَلَا يَفْطَنُ ، وَالْمُرَادُ فِي
أَمْرِ الدِّينِ ، وَأَمَّا الْكَسْرُ فَعَلَى

وَجْهِ النَّهْيِ يَقُولُ لَا
يُخْدَعَنَّ الْمُؤْمِنُ وَلَا يَقْرَبَنَّ مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ فَيَقَعُ
فِي مَكْرُوهٍ أَوْ شَرٍّ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، وَلْيَكُنْ فَطِنًا حَذِرًا ،
وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِأَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا
.
ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ
ذَكَرَ إبْلِيسَ وَقَالَ : إنَّمَا أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ
الْكَافِرِينَ فَالِاسْتِكْبَارُ كُفْرٌ .
وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ
مَرْفُوعًا { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ
، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ }
إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
.
وَعَنْهُ مَرْفُوعًا { لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ وَلَا
الْجَعْظَرِيُّ } إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْعَتَلَةُ
عَمُودُ حَدِيدٍ يُهْدَمُ بِهَا الْحِيطَانُ وَمِنْهُ اُشْتُقَّ الْعُتُلُّ وَهُوَ
الشَّدِيدُ الْجَافِي وَالْفَظُّ الْغَلِيظُ مِنْ النَّاسِ وَالْجَوَّاظُ
الْجَمُوعُ الْمَنُوعُ ، وَقِيلَ : الْكَثِيرُ اللَّحْمِ الْمُخْتَالُ فِي
مَشْيَتِهِ ، وَقِيلَ : الْقَصِيرُ الْبَطِينُ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد هُوَ
الْغَلِيظُ الْفَظُّ وَالْجَعْظَرِيُّ الْفَظُّ الْغَلِيظُ الْمُتَكَبِّرُ ،
وَقِيلَ الَّذِي يَتَنَفَّجُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ فِي
أَهْلِ النَّارِ " الْجَعْظُ " وَهُوَ الْعَظِيمُ فِي نَفْسِهِ ، وَقِيلَ :
السَّيِّئُ الْخُلُقِ الَّذِي يَتَسَخَّطُ عِنْدَ الطَّعَامِ .

فَصْلٌ ( فِي
احْتِرَامِ الْجَلِيسِ وَإِكْرَامِ الصَّدِيقِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ
) .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ ( بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ ) عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَعَزُّ النَّاسِ عَلَيَّ جَلِيسِي الَّذِي يَتَخَطَّى
النَّاسَ إلَيَّ ، أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ الذُّبَابَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَشُقُّ
عَلَيَّ .
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيْكَ ؟ قَالَ :
جَلِيسِي حَتَّى يُفَارِقَنِي .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي
مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :
ثَلَاثَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَى مُكَافَأَتِهِمْ وَرَابِعٌ لَا يُكَافِئُهُ عَنِّي
إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، فَأَمَّا الَّذِينَ لَا أَقْدِرُ عَلَى مُكَافَأَتِهِمْ :
فَرَجُلٌ أَوْسَعَ لِي فِي مَجْلِسِهِ ، وَرَجُلٌ سَقَانِي عَلَى ظَمَإٍ ، وَرَجُلٌ
أُغْبِرَتْ قَدَمَاهُ فِي الِاخْتِلَافِ إلَى بَابِي ، وَأَمَّا الرَّابِعُ الَّذِي
لَا يُكَافِئُهُ عَنِّي إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرَجُلٌ عَرَضَتْ لَهُ
حَاجَةٌ فَظَلَّ سَاهِرًا مُتَفَكِّرًا بِمَنْ يُنْزِلُ حَاجَتَهُ وَأَصْبَحَ
فَرَآنِي مَوْضِعًا لِحَاجَتِهِ ، فَهَذَا لَا يُكَافِئُهُ عَنِّي إلَّا اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ الرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ بِسَاطِي
ثَلَاثًا لَا يَرَى عَلَيْهِ أَثَرًا مِنْ أَثَرِي .

فَصْلٌ ( إجَابَةُ
الدَّعْوَةِ وَهَلْ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا الْأَسْتَارُ ذَاتُ التَّصَاوِيرِ )
.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ يُدْعَى
فَيَرَى سِتْرًا عَلَيْهِ تَصَاوِيرُ ؟ قَالَ : لَا تَنْظُرْ إلَيْهِ ، قُلْتُ قَدْ
نَظَرْتُ إلَيْهِ كَيْف أَصْنَعُ ؟ أَهْتِكْهُ ؟ قَالَ : تَخْرِقُ شَيْءَ النَّاسِ
وَلَكِنْ إنْ أَمْكَنَكَ خَلْعُهُ خَلَعْتَهُ .
وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ
بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ قَالَ : قُلْتُ لِسُفْيَانَ مَنْ
أُجِيبُ وَمَنْ لَا أُجِيبُ ؟ قَالَ : لَا تَدْخُلْ عَلَى رَجُلٍ إذَا دَخَلْتَ
عَلَيْهِ أَفْسَدَ عَلَيْك ، قَدْ كَانَ يُكْرَهُ الدُّخُولُ عَلَى أَهْلِ
الْبَسْطَةِ يَعْنِي الْأَغْنِيَاءَ .

فَصْلٌ ( فِي الْهَدِيَّةِ لِذِي
الْقُرْبَى فِي الْوَلِيمَةِ ) .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : إنَّ أَبَا عَبْدِ
اللَّهِ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ { تَهَادَوْا تَحَابُّوا } قَالَ
: نَعَمْ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ الْقَصِيرُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَيُّ شَيْءٍ تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ
وَلَهُ قَرَابَةٌ لَهُمْ وَلِيمَةٌ تَرَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيُهْدِيَ لَهُمْ ؟
قَالَ : نَعَمْ .

فَصْلٌ ( مَا صَحَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي اتِّقَاءِ
النَّارِ بِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ )
.
قَدْ ذَكَرْتُ مَا صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { اتَّقُوا النَّارَ
وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ } وَقَوْلُهُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ } وَقَوْلُهُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ { لِكُلِّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا
رَأَيْتُ رَجُلًا أَوْلَيْتُهُ مَعْرُوفًا إلَّا أَضَاءَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنِي ،
وَلَا رَأَيْتُ رَجُلًا فُرِّطَ إلَيْهِ مِنِّي شَيْءٌ إلَّا أَظْلَمَ مَا بَيْنِي
وَبَيْنَهُ ، .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا : الْمَعْرُوفُ أَمْيَزُ زَرْعٍ
، وَأَفْضَلُ كَنْزٍ ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ : بِتَعْجِيلِهِ
وَتَصْغِيرِهِ وَسَتْرِهِ ، فَإِذَا عُجِّلَ فَقَدْ هَنَأَ وَإِذَا صَغُرَ فَقَدْ
عَظُمَ ، وَإِذَا سُتِرَ فَقَدْ تَمَمَ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ
حُسَيْنٍ : مَا شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ الْمَعْرُوفِ إلَّا ثَوَابَهُ ، وَلَيْسَ
كُلُّ مَنْ يَرْغَبُ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ
يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ الرَّغْبَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِذْنُ
تَمَّتْ السَّعَادَةُ لِلطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ
وَهُوَ زُهَيْرٌ : وَمَنْ يَجْعَلْ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَقِيهِ
وَمَنْ لَا يَتَّقِي الشَّتْمَ يُشْتَمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُزَهِّدَنَّكَ
فِي الْمَعْرُوفِ كُفْرُ مَنْ كَفَرَهُ فَإِنَّهُ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لَا
تَصْنَعُهُ إلَيْهِ ، وَكَانَ يُقَالُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إسْرَافٌ إلَّا فِي
الْمَعْرُوفِ وَكَانَ يُقَالُ لَا يُزَهِّدَنَّكَ فِي اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ
دَمَامَةُ مَنْ تُسْدِيهِ إلَيْهِ ، وَلَا مَنْ يَنْبُو بَصَرُكَ عَنْهُ ، فَإِنَّ
حَاجَتَكَ فِي شُكْرِهِ وَوَفَائِهِ لَا فِي مَنْظَرِهِ ، وَكَانَ يُقَالُ :
اصْنَعْ الْمَعْرُوفَ إلَى كُلِّ أَحَدٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ فَقَدْ
وَضَعْتَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ كُنْتَ أَنْتَ مِنْ
أَهْلِهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَمْ أَرَ كَالْمَعْرُوفِ أَمَّا مَذَاقُهُ
فَحُلْوٌ وَأَمَّا وَجْهُهُ

فَجَمِيلُ كَانَ يُقَالُ : مَنْ أَسْلَفَ
الْمَعْرُوفَ كَانَ رِبْحُهُ الْحَمْدَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ سَرَفٌ إلَّا فِي إتْيَانِ مَكْرُمَةٍ أَوْ
اصْطِنَاعِ مَعْرُوفٍ أَوْ إظْهَارِ مُرُوءَةٍ ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا : كَانَ
يُقَالُ كَمَا يُتَوَخَّى لِلْوَدِيعَةِ أَهْلُ الْأَمَانَةِ وَالثِّقَةِ كَذَلِكَ
يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَخَّى بِالْمَعْرُوفِ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالشُّكْرِ ، وَكَانَ
يُقَالُ : إعْطَاءُ الْفَاجِرِ يُقَوِّيهِ عَلَى فُجُورِهِ ، وَمَسْأَلَةُ
اللَّئِيمِ إهَانَةٌ لِلْعِرْضِ ، وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ زِيَادَةٌ فِي الْجَهْلِ
، وَالصَّنِيعَةُ عِنْدَ الْكَفُورِ إضَاعَةٌ لِلنِّعْمَةِ ، فَإِذَا هَمَمْتَ
بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فَارْتَدِ الْمَوْضِعَ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ أَوْ
عَلَى الْفِعْلِ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي ذِي حَسَبٍ
أَوْ دِينٍ كَمَا أَنَّ الرِّيَاضَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي نَجِيبٍ }
.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَكَان آخَرَ : خَمْسَةُ أَشْيَاءَ
أَضْيَعُ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا : سِرَاجٌ يُوقَدُ فِي الشَّمْسِ ، وَمَطَرٌ
وَابِلٌ فِي أَرْضٍ سَبِخَةٍ ، وَامْرَأَةٌ حَسْنَاءُ تُزَفُّ إلَى عِنِّينٍ ،
وَطَعَامٌ يُسْتَجَادُ ثُمَّ يُقَدَّمُ إلَى سَكْرَانَ أَوْ شَبْعَانَ ،
وَمَعْرُوفٌ تَصْنَعُهُ عِنْدَ مَنْ لَا يَشْكُرُكَ ، وَفِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ
: افْعَلْ إلَى امْرِئِ السُّوءِ يَجْزِيكَ شَرًّا وَكَانَ يُقَالُ : صَاحِبُ
الْمَعْرُوفِ لَا يَقَعُ فَإِذَا وَقَعَ أَصَابَ مُتَّكِئًا .
وَكَتَبَ
أَرِسْطُوطَالِيسُ إلَى الْإِسْكَنْدَرِ : امْلِكْ الرَّعِيَّةَ بِالْإِحْسَانِ
إلَيْهَا تَظْفَرْ بِالْمَحَبَّةِ مِنْهَا ، وَطَلَبُكَ ذَلِكَ مِنْهَا
بِإِحْسَانِكَ أَدْوَمُ بَقَاءً مِنْهُ بِاعْتِسَافِكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إنَّمَا
تَمْلِكُ الْأَبْدَانَ فَتَخَطَّاهَا إلَى الْقُلُوبِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَاعْلَمْ
أَنَّ الرَّعِيَّةَ إذَا قَدَرَتْ عَلَى أَنْ تَقُولَ قَدَرَتْ عَلَى أَنْ تَفْعَلَ
، فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَقُولَ ، تَسْلَمْ مِنْ أَنْ تَفْعَلَ .
وَقَالَ
مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَزِيدَ ابْنِهِ : يَا
بُنَيَّ

اتَّخِذْ الْمَعْرُوفَ مَنَالًا عِنْدَ ذَوِي الْأَحْسَابِ
تَسْتَمِلْ بِهِ مَوَدَّتَهُمْ وَتَعْظُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ، وَإِيَّاكَ
وَالْمَنْعَ فَإِنَّهُ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يُقَالُ حَصَادُ مَنْ يَزْرَعُ
الْمَعْرُوفَ فِي الدُّنْيَا اغْتِبَاطٌ فِي الْآخِرَةِ .
ذَمَّ أَعْرَابِيٌّ
رَجُلًا فَقَالَ : كَانَ سَمِينَ الْمَالِ مَهْزُولَ الْمَعْرُوفِ .
وَقَالَ
الزُّهْرِيُّ أَوْ الزُّبَيْرِيُّ : مَنْ زَرَعَ مَعْرُوفًا حَصَدَ خَيْرًا ،
وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا حَصَدَ نَدَامَةً .
قَالَ الشَّاعِرُ : مَنْ يَزْرَعْ
الْخَيْرَ يَحْصُدْ مَا يُسَرُّ بِهِ وَزَارِعُ الشَّرِّ مَنْكُوسٌ عَلَى الرَّاسِ
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يَدُ الْمَعْرُوفِ غُنْمٌ حَيْثُ كَانَتْ
تَحَمَّلَهَا شَكُورٌ أَوْ كَفُورُ فَفِي شُكْرِ الشَّكُورِ لَهَا جَزَاءٌ وَعِنْدَ
اللَّهِ مَا كَفَرَ الْكَفُورُ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا
يَقُولُ أَسْرَعُ الذُّنُوبِ عُقُوبَةً كُفْرُ الْمَعْرُوفِ .
وَلِابْنِ
دُرَيْدٍ وَقِيلَ : إنَّهُ أَنْشَدَهُمَا وَمَا هَذِهِ الْأَيَّامُ إلَّا مُعَارَةٌ
فَمَا اسْطَعْتَ مِنْ مَعْرُوفِهَا فَتَزَوَّدْ فَإِنَّك لَا تَدْرِي بِأَيَّةِ
بَلْدَةٍ تَمُوتُ وَلَا مَا يُحْدِثُ اللَّهُ فِي غَدِ وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرْ :
خَيْرُ أَيَّامِ الْمَرْءِ مَا أَغَاثَ فِيهِ الْمُضْطَرَّ ، وَارْتَهَنَ فِيهِ
الشُّكْرَ ، وَاسْتَرَقَّ فِيهِ الْحُرَّ .
جَمَعَ كِسْرَى مَرَازِبَتَهُ
وَعُيُونَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ : عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتُمْ أَشَدُّ
نَدَامَةً ؟ فَقَالُوا عَلَى وَضْعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ، وَطَلَبِ
الشُّكْرِ مِمَّنْ لَا شُكْرَ لَهُ .
قَالَ الشَّاعِرُ : وَزَهَّدَنِي فِي كُلِّ
خَيْرٍ صَنَعْتُهُ إلَى النَّاسِ مَا جَرَّبْتُ مِنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ وَقَالَ :
وَمَنْ يَجْعَلْ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِ يُلَاقِ الَّذِي لَاقَى مُجِيرُ
أُمِّ عَامِرِ قَالَ الْمُهَلَّبُ : عَجِبْتُ لِمَنْ يَشْتَرِي الْمَمَالِيكَ
بِمَالِهِ وَلَا يَشْتَرِي الْأَحْرَارَ بِمَعْرُوفِهِ وَقَالَ : لَيْسَ
لِلْأَحْرَارِ ثَمَنٌ إلَّا الْإِكْرَامَ فَأَكْرِمْ حُرًّا تَمْلِكْهُ
.
وَقَالَ الْمُتَنَبِّي : إذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَإِنْ
أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا

وَقَالَ عَبْدُ مَنَافٍ : دَوَاءُ
مَنْ لَا يُصْلِحُهُ الْإِكْرَامُ الْهَوَانُ .
قَالَ الشَّاعِرُ : مَنْ لَمْ
يُؤَدِّبْهُ الْجَمِيلُ فَفِي عُقُوبَتِهِ صَلَاحُهْ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي
الْفُنُونِ : فِعْلُ الْخَيْرِ مَعَ الْأَشْرَارِ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ عَلَى
الْأَخْيَارِ ، كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَمَ الْخَيْرُ أَهْلَهُ ، لَا
يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَمَ الْخَيْرَ حَقَّهُ ، فَإِنَّ وَضْعَ الْخَيْرِ فِي غَيْرِ
مَحِلِّهِ ظُلْمٌ لِلْخَيْرِ كَمَا قِيلَ : لَا تَمْنَعُوا الْحِكْمَةَ أَهْلَهَا
فَتَظْلِمُوهُمْ ، وَلَا تَضَعُوهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا ،
كَذَلِكَ الْبِرُّ وَالْإِنْعَامُ مُفْسِدٌ لِقَوْمٍ حَسَبُ مَا يُفْسِدُ
الْحِرْمَانُ قَوْمًا ، قَالَ : فَهُوَ كَالنَّارِ كُلَّمَا أُطِيبَ لَهَا
مَأْكَلًا سَطَتْ فَأَفْسَدَتْ قَالَ فَرْقَدٌ قَالَ الْمُتَنَبِّي : وَوَضْعُ
النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلَا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي
مَوْضِعِ النَّدَى فَالسِّيَاسَةُ الْكُلِّيَّةُ افْتِقَادُ مَحَالِّ الْإِنْعَامِ
قَبْلَ الْإِنْعَامِ ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُنْ مِنْ خَمْسَةٍ
عَلَى حَذَرٍ مِنْ لَئِيمٍ إذَا أَكْرَمْتَهُ ، وَكَرِيمٍ إذَا أَهَنْتَهُ ،
وَعَاقِلٍ إذَا أَحْرَجْتَهُ ، وَأَحْمَقَ إذَا مَازَحْتَهُ ، وَفَاجِرٍ إذَا
مَازَجْتَهُ .
انْتَهَى كَلَامُهُ وَيَأْتِي فِي آخِرِ كُرَّاسَةٍ فِي
الْكِتَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا .

فَصْلٌ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ
لَا يَشْكُرُ اللَّهَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا {
لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ } إسْنَادٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : مَعْنَاهُ
أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ شُكْرَ الْعَبْدِ عَلَى إحْسَانِهِ إلَيْهِ
إذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَشْكُرُ إحْسَانَ النَّاسِ وَيَكْفُرُ أَمْرَهُمْ ؛
لِاتِّصَالِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ : أَنَّ مَنْ
كَانَ عَادَتُهُ وَطَبْعُهُ كُفْرَانَ نِعْمَةِ النَّاسِ وَتَرْكَ شُكْرِهِ لَهُمْ
كَانَ مِنْ عَادَتِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْكُ الشُّكْرِ
لَهُ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ كَانَ كَمَنْ لَا
يَشْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ شُكْرَهُ كَمَا تَقُولُ لَا يُحِبُّنِي
مَنْ لَا يُحِبُّكَ أَيْ : أَنَّ مَحَبَّتَكَ مَقْرُونَةٌ بِمَحَبَّتِي فَمَنْ
أَحَبَّنِي يُحِبّكَ ، وَمَنْ لَا يُحِبُّكَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحِبَّنِي
.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رَفْعِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وَنَصْبِهِ .
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا
مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ أَيْضًا بِلَفْظٍ آخَرَ { إنَّ أَشْكَرَ
النَّاسِ لِلَّهِ تَعَالَى أَشْكَرُهُمْ لِلنَّاسِ } .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا مَرْفُوعًا { مَنْ أَتَى إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيُكَافِئْ بِهِ
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَذْكُرْهُ فَمَنْ ذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ .
}
رَوَاهُ أَحْمَدُ .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { الْأَمْرُ بِالْمُكَافَأَةِ فَإِنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَدْعُ لَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَظُنُّهُ مِنْ
حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
وَعَنْ أُسَامَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ
مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي
الثَّنَاءِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ
.
قَالَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ عَنْ الْأَعْمَشِ

عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : مَنْ أَبْلَى بَلَاءً فَذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ
وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ } وَرَوَاهُ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقٍ
آخَرَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ : غَرِيبٌ وَلَفْظُهُ
{ مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَلْيَجْزِ بِهِ إنْ وَجَدَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ
بِهِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ ،
وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطِ كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ } أَيْ : ذِي
زُورٍ وَهُوَ الَّذِي يُزَوِّرُ عَلَى النَّاسِ يَتَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ
الزُّهْدِ رِيَاءً أَوْ يُظْهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ
إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ .
وَعَنْ النُّعْمَانِ مَرْفُوعًا { مَنْ لَمْ يَشْكُرْ
الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ
يَشْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ }
رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْجَرَّاحَ
بْنَ مَلِيحٍ وَالِدَ وَكِيعٍ ، وَأَكْثَرُهُمْ قَوَّاهُ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : { إنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ
ذَهَبَتْ الْأَنْصَارُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ قَالَ لَا مَا دَعَوْتُمْ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ
قَالَ " مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ : إنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ
حَنْبَلٍ يَذْكُرُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ تَرْكُ الْمُكَافَأَةِ مِنْ
التَّطْفِيفِ " وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَهْبٍ مِنْ السَّلَفِ .
قَالَ أَحْمَدُ
فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَعْرُوفٌ وَأَيَادٍ مَا
أَحْسَنَ أَنْ يُخْبِرَ بِفِعَالِهِ بِهِ لِيَشْكُرَهُ النَّاسُ وَيَدْعُونَ لَهُ
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {

مَنْ لَا يَشْكُرْ
النَّاسَ لَا يَشْكُرْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ } وَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
يُحِبُّ أَنْ يُشْكَرَ وَيُحْمَدَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَحَبَّ الشُّكْرَ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ
السَّلَامُ قَالَ : { يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ
الِاسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَتْ
امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ : وَمَا لَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ :
تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ } جَزْلَةٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ
وَسُكُونِ الزَّايِ أَيْ : ذَاتُ عَقْلٍ وَرَأْيٍ ، وَالْجَزَالَةُ : الْعَقْلُ
وَالْوَقَارُ فَقَدْ تَوَعَّدَ عَلَى كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ
الْمُعَاشَرُ وَالْمُرَادُ هُنَا الزَّوْجُ ، تَوَعَّدَ عَلَى كَفْرَانِ الْعَشِيرِ
وَالْإِحْسَانِ بِالنَّارِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ
رَحِمَهُ اللَّهُ بِخِلَافِ اللَّعْنِ فَإِنَّهُ قَالَ : " تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ "
وَالصَّغِيرَةُ تَصِيرُ كَبِيرَةً بِالْكَثْرَةِ .
وَلِأَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى
عَبْدٍ نِعْمَةً إلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ } أَيْضًا
بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ { أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى
عِبَادًا لَا يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ
إلَيْهِمْ قِيلَ مَنْ أُولَئِكَ ؟ قَالَ : مُتَبَرٍّ مِنْ وَالِدَيْهِ رَاغِبٌ
عَنْهُمَا مُتَبَرٍّ مِنْ وَلَدِهِ وَرَجُلٌ أَنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ
نِعْمَتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : أَنْشِدِينِي شِعْرَ ابْنِ الْعَرِيضِ الْيَهُودِيِّ حَيْثُ قَالَ :
إنَّ الْكَرِيمَ فَأَنْشَدَتْ : إنَّ الْكَرِيمَ إذَا أَرَادَ وِصَالَنَا لَمْ
يُلْفِ حَبْلًا وَاهِيًا رَثَّ الْقُوَى أَرْعَى أَمَانَتَهُ وَأَحْفَظُ غَيْبَهُ
جَهْدِي فَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَتَى أَجْزِيهِ أَوْ أُثْنِي عَلَيْهِ
فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْكَ بِمَا فَعَلْتَ فَقَدْ جَزَى }

قَالَ ابْنُ
عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الشِّعْرُ مَا يَصِحُّ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ لِلْعَرِيضِ الْيَهُودِيِّ
وَهُوَ الْعَرِيضُ بْنُ السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَا الْيَهُودِيُّ مِنْ وَلَدِ
الْكَاهِنِ بْنِ هَارُونَ ، شَاعِرٌ ابْنُ شَاعِرٍ وَأَمَّا أَهْلُ الْأَخْبَارِ
فَاخْتَلَفُوا فِي قَائِلِهِ فَقِيلَ لِوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ وَقِيلَ (
لِزُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ ) الْكَلْبِيِّ وَقِيلَ لِعَامِرِ بْنِ الْمَجْنُونِ ،
وَقِيلَ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهَا
لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو ، وَلِوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلٍ الْبَيْتَانِ وَلَمْ
أَذْكُرْهُمَا أَنَا هُنَا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالصَّحِيحُ فِيهِمَا
وَفِي الْأَبْيَاتِ غَيْرِهِمَا أَنَّهُمَا لِلْعَرِيضِ الْيَهُودِيِّ وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : أَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ : لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُ فَوْقَ الشُّكْرِ مَنْزِلَةً أَعْلَى مِنْ
الشُّكْرِ عِنْدَ اللَّهِ فِي الثَّمَنِ إذًا مَنَحْتُكَهَا مِنِّي مُهَذَّبَةً
حَذْوًا عَلَى حَذْوِ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنِ وَمِمَّا أَنْشَدَهُ
الرِّيَاشِيُّ : شُكْرِي كَفِعْلِكَ فَانْظُرْ فِي عَوَاقِبِهِ تَعْرِفْ بِفِعْلِكَ
مَا عِنْدِي مِنْ الشُّكْرِ وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
: الْمَجُوسِيِّ يُولِينِي خَيْرًا فَأَشْكُرُهُ قَالَ : نَعَمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ
: إنَّنِي أُثْنِي بِمَا أَوْلَيْتَنِي لَمْ يُضِعْ حُسْنَ بَلَاءٍ مَنْ شَكَرِ
إنَّنِي وَاَللَّهِ لَا أَكْفُرُكُمْ أَبَدًا مَا صَاحَ عُصْفُورُ الشَّجَرْ
وَقَالَ آخَرُ : فَلَوْ كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْ الشُّكْرِ مَاجِدٌ لِعِزَّةِ مُلْكٍ
أَوْ عُلُوِّ مَكَانِ لَمَا نَدَبَ اللَّهُ الْعِبَادَ لِشُكْرِهِ فَقَالَ
اُشْكُرُونِي أَيُّهَا الثَّقَلَانِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ :
ذِكْرُ النِّعَمِ شُكْرٌ .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : مَنْ لَمْ
يَشْكُرْ الْجَفْوَةَ لَمْ يَشْكُرْ النِّعْمَةَ ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ
الْبَرِّ عَنْهُ فَإِنْ صَحَّ فَفِيهِ نَظَرٌ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَمَا تَخْفَى
الصَّنِيعَةُ حَيْثُ كَانَتْ وَلَا الشُّكْرُ الصَّحِيحُ مِنْ السَّقِيمِ
وَقَالَ

سُلَيْمَانُ التَّمِيمِيُّ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْعَمَ
عَلَى عِبَادِهِ بِقَدْرِ طَاعَتِهِمْ وَكَلَّفَهُمْ مِنْ الشُّكْرِ بِقَدْرِ
طَاقَتِهِمْ ، فَقَالُوا : كُلُّ شُكْرٍ وَإِنْ قَلَّ : ثَمَنٌ لِكُلِّ نَوَالٍ
وَإِنْ جَلَّ .
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَشْعَبَ : الطَّمَعُ يَا
أَشْعَبُ ، أَحْسَنْتُ إلَيْكَ فَلَمْ تَشْكُرْ ، فَقَالَ : إنَّ مَعْرُوفَكَ
خَرَجَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَسِبٍ إلَى غَيْرِ شَاكِرٍ ، وَقَالُوا : لَا تَثِقْ
بِشُكْرِ مَنْ تُعْطِيهِ حَتَّى تَمْنَعَهُ .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ
رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا مِنْ شَيْءٍ أَسَرُّ إلَيَّ مِنْ يَدٍ أُتْبِعُهَا أُخْرَى
؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْأَوَاخِرِ ، يَقْطَعُ لِسَانَ شُكْرِ الْأَوَائِلِ
.
وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ عَبْد الْبَرِّ قَوْلَ ابْنِ شُبْرُمَةَ : مَا
أَعْرَفَنِي بِجَيِّدِ الشِّعْرِ : أُولَئِكَ قَوْمٌ إنْ بَنَوْا أَحْسَنُوا
الْبِنَا وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفَوْا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا وَإِنْ كَانَتْ
النَّعْمَاءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِهَا وَإِنْ أَنْعَمُوا لَا كَدَّرُوهَا وَلَا
كَدُّوا وَإِنْ قَالَ مَوْلَاهُمْ عَلَى حَمْلِ حَادِثِ مِنْ الْأَمْرِ رُدُّوا
فَضْلَ أَحْلَامِكُمْ رَدُّوا وَسَأَلَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَصْمَعِيَّ
كَيْفَ تُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ يَعْنِي الْبَيْتَ الْأَوَّلَ فَأَنْشَدَهُ
وَقَالَ : الْبِنَاءُ بِكَسْرِ الْبَاءِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ : اُلْبُنَا بِضَمِّ
الْبَاءِ .
وَقَالَ : إنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا بَنَوْا الْمَكَارِمَ لَا
اللَّبِنَ وَالطِّينَ ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَسْرَ الْبَاءِ وَضَمَّهَا ،
فَالْكَسْرُ جَمْعُ بِنْيَةٍ نَحْوَ كِسْرَةٍ وَكِسَرٍ ، وَالضَّمُّ جَمْعُ
بُنْيَةٍ نَحْوَ ظُلْمَةٍ وَظُلَمٍ ، قَالُوا : وَكَانَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ
رَأَى الضَّمَّ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ بِالْبِنَاءِ بِمَعْنَى الْعِمَارَةِ
بِاللَّبِنِ وَالطِّينِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ
هُبَيْرَةَ الْوَزِيرُ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إنَّمَا
يُبَالَغُ فِي التَّوَسُّلِ إلَى الْبَخِيلِ لَا إلَى الْكَرِيمِ كَمَا قَالَ ابْنُ
الرُّومِيِّ : وَإِذَا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرَأً لِنَوَالِهِ وَأَطَالَ فِيهِ فَقَدْ
أَسَرَّ هِجَاءَهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ بُعْدَ الْمُسْتَقَى

عِنْدَ
الْوُرُودِ لَمَا أَطَالَ رِشَاءَهُ .

فَصْلٌ ( فِي تَحْرِيمِ الْمَنِّ
عَلَى الْعَطَاءِ ) .
وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِمَا أَعْطَى بَلْ هُوَ كَبِيرَةٌ
عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ رَوَى هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ { ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ ،
وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ } وَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ
{ وَالْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إلَّا مِنَّةً } .
وَلِأَحْمَدَ
وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
{ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ } وَهُوَ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي
سَعِيدٍ .
وَلَهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { ثَلَاثَةٌ
لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ
لِوَالِدَيْهِ ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى } .
(
فَصْلٌ ) .
قَالَ صَالِحُ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
فِي مَسَائِلِهِ عَنْ أَبِيهِ قُلْتُ : حَدِيثٌ يُحَدِّثُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
دَاوُد أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هَلْ
تَعْرِفُهُ ؟ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ ، وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إنَّمَا رُوِيَ عَنْ
الضَّحَّاكِ : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } قَالَ الضَّحَّاكُ : إنَّمَا هَذِهِ
لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةٌ لَا يُهْدَى إلَيْهِ
أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
.

فَصْلٌ ( فِي الشَّمَاتَةِ وَاسْتِعَاذَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَمِنْ أُمُورٍ أُخْرَى ) .
عَنْ
مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : { لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ وَيَبْتَلِيكَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
عَنْ عُمَرَ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ مُجَالِدٍ وَهُوَ رَوَاهُ عَنْ حَفْصِ بْنِ
غِيَاثٍ وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ حَفْصٍ
عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مَكْحُولٍ .
أُمَيَّةُ تَفَرَّدَ عَنْ سَلَمَةَ ،
وَبُرْدٌ حَدِيثُهُ حَسَنٌ .
الشَّمَاتَةُ : الْفَرَحُ بِبَلِيَّةِ الْعَدُوِّ ،
يُقَالُ شَمِتَ بِهِ بِالْكَسْرِ يَشْمَتُ شَمَاتَةً ، وَأَشْمَتَهُ غَيْرَهُ
وَبَاتَ فُلَانٌ بِلَيْلَةِ الشَّوَامِتِ أَيْ : شَمِتَ الشَّوَامِتُ .
وَفِي
الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ
مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ
الْأَعْدَاءِ } جَهْدٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا لُغَةٌ ، دَرْكٌ بِفَتْحِ
الرَّاءِ الِاسْمُ وَبِسُكُونِهَا الْمَصْدَرُ فَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ شَيْءٍ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ،
وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا
بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا } وَحَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ { يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا
مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ
فَلْيَسْتَعِذْ وَلْيَنْتَهِ } وَحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَيَأْتِي فِي الرُّؤْيَا
وَلَا فِي أَحَدِهِمَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ
فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ
الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ }
.

وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : { بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ
وَنَحْنُ مَعَهُ إذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ
أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ ، فَقَالَ : مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ
الْأَقْبُرِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا ، فَقَالَ : مَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ :
مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ ، فَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي
قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ
يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالُوا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ
: تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالُوا : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ
عَذَابِ النَّارِ قَالَ : تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالُوا : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالَ : تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ
قَالُوا : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ } وَيَأْتِي حَدِيثُ
جَابِرٍ فِي الرُّؤْيَا .
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ { أَتَى
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ،
إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُ
عَلَيَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ
شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ
مِنْهُ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا ، قَالَ : فَفَعَلْتُ ذَلِكَ
فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِّي } .
رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ
.
خَنْزَبٌ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ زَايٍ
مَكْسُورَةٍ وَمَفْتُوحَةٍ ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالزَّايِ ،
وَيُقَالُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ { وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ يَدْعُو اللَّهُمَّ لَا تُشَمِّتْ بِي عَدُوًّا حَاسِدًا } رَوَاهُ
الْحَاكِمُ مِنْ

حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ
ابْنِ عُمَرَ .
وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ
السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } وَقِيلَ لِأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَيُّ
شَيْءٍ مِنْ بَلَائِكَ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْكَ قَالَ : شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ
وَقَالَ : الْكَلْبِيُّ : لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ شَمِتَ بِهِ نِسَاءُ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ وَخَضَّبْنَ أَيْدِيَهُنَّ
وَأَظْهَرْنَ السُّرُورَ لِمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَرَبْنَ
بِالدُّفِّ ، فَقَالَ الشَّاعِرُ : بَلِّغْ أَبَا بَكْرٍ إذَا مَا جِئْتَهُ أَنَّ
الْبَغَايَا رُمْنَ كُلَّ مَرَامِ أَظْهَرْنَ مِنْ مَوْتِ النَّبِيِّ شَمَاتَةً
وَخَضَّبْنَ أَيْدِيَهُنَّ بِالْعَنَامِ فَاقْطَعْ هُدِيتَ أَكُفَّهُنَّ بِصَارِمٍ
كَالْبَرْقِ أَوْمَضَ فِي مُتُونِ غَمَامِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ :
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ : سَمِعْتُ أَشْهَبَ بْنَ عَبْدِ
الْعَزِيزِ يَدْعُو عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ بِالْمَوْتِ
أَظُنُّهُ قَالَ فِي سُجُودِهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ل


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بوح الليل




السباحة

عامل

مكيف

ذكر
العقرب

الثور
عدد المساهمات: 513
نقاط: 10392
السٌّمعَة: 5
تاريخ الميلاد: 17/11/1985
تاريخ التسجيل: 22/09/2009
العمر: 28
الموقع: قاسمي نت
العمل/الترفيه: مستخدم

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الآداب الشرعية -- المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -- ج 1   2011-04-19, 07:50

ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَمَثَّلَ يَقُولُ : تَمَنَّى
رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى تَهَيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا
فَكَأَنْ قَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : فَمَاتَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ وَاشْتَرَى أَشْهَبُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَمْلُوكًا ، ثُمَّ مَاتَ
أَشْهَبُ بَعْدَهُ بِنَحْوٍ مِنْ شَهْرٍ أَوْ قَالَ : خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَاشْتَرَيْتُ أَنَا ذَلِكَ الْمَمْلُوكَ مِنْ
تَرِكَةِ أَشْهَبَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
الْبَيْتُ الْأَوَّلُ لِطَرَفَةَ ،
ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { لَا يَصْلَاهَا
إلَّا الْأَشْقَى } .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْأَشْقَى بِمَعْنَى الشَّقِيِّ
وَالْعَرَبُ تَضَعُ أَفْعَلَ فِي مَوْضِعِ فَاعِلٍ ، قَالَ طَرَفَةُ : فَذَكَرَهُ ،
وَأَمَّا الْبَيْتُ الثَّانِي فَفِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ

بْنِ الْوَلِيدِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ أَخَا بَنِي تَمِيمٍ
مَا أَشْعَرَهُ حَيْثُ يَقُولُ ، فَذَكَرَهُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ بَيْتًا آخَرَ
وَهُوَ : فَمَا عَيْشُ مَنْ قَدْ عَاشَ بَعْدِي بِنَافِعِي وَلَا مَوْتُ مَنْ قَدْ
مَاتَ قَبْلِي بِمُخْلِدِي وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ قَرْضَةَ : إذَا مَا الدَّهْرُ
جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ حَوَادِثَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا
أَفِيقُوا سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ مَا لَقِينَا وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
عُتْبَةَ : كُلُّ الْمَصَائِبِ قَدْ تَمُرُّ عَلَى الْفَتَى فَتَهُونُ غَيْرَ
شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَلِلْمُبَارَكِ بْنِ الطَّبَرِيِّ : لَوْلَا شَمَاتَةُ
أَعْدَاءٍ ذَوِي حَسَدِ أَوْ اغْتِمَامُ صَدِيقٍ كَانَ يَرْجُونِي لَمَا طَلَبْتُ
مِنْ الدُّنْيَا مَرَاتِبَهَا وَلَا بَذَلْتُ لَهَا عِرْضِي وَلَا دِينِي
وَلِعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ : فَهَلْ مِنْ خُلْدٍ إنَّا هَلَكْنَا وَهَلْ بِالْمَوْتِ
يَا لَلنَّاسِ عَارُ وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ : { مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ
} .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ : قَالُوا مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ فِي
إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ الْهَمْدَانِيُّ وَهُوَ
ضَعِيفٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ
بِمُتَّصِلٍ .
خَالِدٌ لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : { إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ
فَلْيُحِدَّهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا .
} قَالَ صَاحِبُ
الْمُنْتَقَى : مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى لَا يُثَرِّبْ
لَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّثْرِيبِ وَهُوَ التَّعْيِيرُ وَالتَّوْبِيخُ وَاللَّوْمُ
وَالتَّقْرِيعُ .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ : لَا يُوَبِّخُهَا
بِالزِّنَا بَعْدَ الضَّرْبِ ، قَالَ : وَقِيلَ : لَا يَقْنَعُ فِي عُقُوبَتِهَا
بِالتَّثْرِيبِ بَلْ يَضْرِبُهَا الْحَدَّ فَإِنَّ زِنَا الْإِمَاءِ لَمْ يَكُنْ
عِنْدَ الْعَرَبِ مَكْرُوهًا وَلَا مُنْكَرًا فَأَمَرَهُمْ بِحَدِّ الْإِمَاءِ
كَمَا أَمَرَهُمْ بِحَدِّ الْحَرَائِرِ .
نَظَرَ بَعْضُ
الْعُبَّادِ

شَخْصًا مُسْتَحْسَنًا فَقَالَ لَهُ شَيْخُهُ : سَتَجِدُ
غِبَّهُ فَنَسِيَ الْقُرْآنَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَالَ آخَرُ : عِبْتُ
شَخْصًا قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَسْنَانِهِ فَذَهَبَتْ أَسْنَانِي ، وَنَظَرْتُ إلَى
امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لِي فَنَظَرَ زَوْجَتِي مَنْ لَا أُرِيدُ .
وَقَالَ ابْنُ
سِيرِينَ : عَيَّرْتُ رَجُلًا بِالْإِفْلَاسِ فَأَفْلَسْتُ قَالَ ابْنُ
الْجَوْزِيِّ : وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ وَمَا نَزَلَتْ بِي آفَةٌ وَلَا غَمٌّ وَلَا
ضِيقُ صَدْرٍ إلَّا بِزَلَلٍ أَعْرِفُهُ حَتَّى يُمْكِنَنِي أَنْ أَقُولَ هَذَا
بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلْتُ تَأْوِيلًا فِيهِ بُعْدٌ
فَأَرَى الْعُقُوبَةَ .
فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَرَقَّبَ جَزَاءَ
الذَّنْبِ فَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ ، وَلْيَجْتَهِدْ فِي التَّوْبَةِ وَقَالَ
مَحْمُودُ الْوَرَّاقُ : رَأَيْتُ صَلَاحَ الْمَرْءِ يُصْلِحُ أَهْلَهُ
وَيُعْدِيهِمْ دَاءُ الْفَسَادِ إذَا فَسَدْ وَيَشْرُفُ فِي الدُّنْيَا بِفَضْلِ
صَلَاحِهِ وَيُحْفَظُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْأَهْلِ وَالْوَلَدْ كَذَا قَالَ
.
وَمُرَادُهُ كَثْرَةُ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ مُطَّرِدٌ عَلَى مَا لَا يَخْفَى
.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

كتاب : الآداب الشرعية -- المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ -- ج 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 4 من اصل 4انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
قاسمي نت ::  :: -